فصلنامه مطالعات سیاست خارجی تهران
 

مقابلة خاصة مع الدكتورإبراهيم الجعفري (الجزء الثاني)

محمدمهدي شريعتمدار
مساعد رئيس التحرير

الدكتور إبراهيم عبد الكريم حمزة الأشيقر الجعفري ولد في كربلاء المقدسة  عام١٩٤٧ و التحق بحزب الدعوة الإسلامية و هو دون العشرين و تخرج من كلية الطب بجامعة الموصل.
        هاجر إلى سوريا عام ١٩٨٠ وانتخب عام ١٩٨١ عضواً في مجلس القيادة للحزب و عمل في المكتب السياسي و انتخب عام ١٩٩٦ ناطقاً رسميّاً للحزب، ثم هاجر إلى إيران و شارك في تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق و مثل الحزب فيه منذ تأسيسه و كان رئيس المكتب التنفيذي للمجلس. و بعد ذالك هاجر من إيران إلى لندن عام ١٩٩٠، وشارك في تشكيل وقيادة لجنة العمل المشترك للمعارضة العراقيةعام 1991، وفي المؤتمرات السياسية العراقية كمؤتمر بيروت، وفي تشكيل وقيادة المؤتمر الوطني العراقي الموحد عام 1992، ودعا إلى تشكيل ائتلاف القوى الوطنية العراقية عام 2002 الذي انضمت إليه 17 من القوى السياسية إلى جانب 33 شخصية سياسية عراقية. 
        عاد إلى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، و شغل منصب أول رئيس لمجلس الحكم في آب 2003، و منصب نائب رئيس الجمهورية عام 2004م، ومنصب رئيس الوزراء عام 2005، و منصب وزير الخارجية عام 2014و انتخب عضواً في البرلمان العراقي لدورتين انتخابيتين (2006-2010) و (2010-2014) و أسس تيار الإصلاح الوطني في 2005، وشغل رئاسة التحالف الوطني العراقي.  
      یعتبر الدكتور جعفري من رواد العلم و المعرفة و له عدة بحوث ومؤلفات و له آراء معمق فی القضایا السیاسیة و الدولیة، قد یری بأن الإنسان هو الحجر الأساس في بناء الصرح السياسي و یصرح بأنه ما دامت البلدان الإسلامية قد توافرت على الثروات المتعددة كالنفط والزراعة والماء والموقع الستراتيجي إضافة إلى الثروة المعنوية والفكرية، ستبقى بمرمى سهام الأعداء ولن يقرّ لها قرار، إلا أن توفر لنفسها قوة الدفاع لحماية السيادة والأمن والممتلكات.
 كما یؤكد بأن هذا العصر هو عصر انتصار الحق وأن يقظة الأمم التي بدأت لن‌تتراجع ولا تتوقف وإن لواء العدالة سينشر ظلّه على كل ربوع العالم.
 یری الدكتور جعفري بأن الاضطرابات الحالية في العراق ترتبط بشكل مباشر بما تخطط له أميركا والكيان الصهيوني ومما يؤسف له أن موقف التيارات الإسلامية الشيعية في غفلة عمّا يجري على الأرض وبالأعم ‏ الأغلب أنها مستغرقة في خلافاتها الجزئية على حساب الأمور الأساسية والمصيرية في العراق.
 وعندما یتحدث عن دور قائد الثورة الاسلامیة في ایران [الإمام الخامنئي] في جمع وحدة المسلمين، یؤكد بأنّ اهتماماته في جمع وحدة المسلمين والابتعاد عن كلّ ما يفرّقهم تجسّد من خلال خطبه وما عُقدت من مؤتمرات للوحدة الإسلامية لتشهد حضوراً متميّزاً لعلماء المسلمين من شتى الطوائف وما انعكس على مجتمعاتهم من ترويج أدب الوحدة والترفّع على الخلافات المذهبية ومع توالي المؤتمرات اتسعت قاعدةُ الوحدة الإسلامية.
 فصلية طهران لدراسات السياسة الخارجية أجرت مقابلة خاصة معه حیث أرسلت الأسئلة خطية بسبب الكورونا ، وأجابها معالیه كتابةمشكوراً. و نشر الفصلية الحوار في قسمین و هذا القسم الثاني نقدم لقارئ الكريم؛

 

 

 

 

الفصلية: يتم الحديث كثيراً عن مشاريع التقسيم و سايكس بيكو جديدة و إعادة رسم خريطة المنطقة، و هي تعاني أساساً من شروخ و تشرذمات طائفية و قومية على رأسها المسألة الكردية نموذجاً. إلى أين ستؤول هذه المحاولات و كيف يمكن الحفاظ على الوحدة و اللحمة و مواجهة مشاريع التقسيم؟

د.إبراهیم الجعفري: إن خارطة المنطقة اليوم و حدود بلدانها رسمت وفق إرادة المستعمر الذي حاول إبقاء سيطرته عبر اتفاقيات أبرمتها الأطراف الاستعمارية جعلت دول المنطقة تتنازع دائماً على حدودها و مصالحها. 
فالحقبة الجديدة و بعد الحرب العالمية الأولى أفرزت اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم المنطقة إلى دول مختلفة بعد إنهاء الدولة العثمانية التي كانت رغم ما لها و ما عليها  تمثل الدولة الموحدة في العالم الإسلامي و التي بسطت نفوذها حتى أواسط القارة الأوربية. و جاءت الحرب العالمية الثانية لتستكمل القوى الاستعمارية مشروعها لاسيما عبر زرع الكيان الصهيوني في المنطقة ليتحكم بمصيرها.
الحركة الاستقلالية أنهت الحقبة الاستعمارية رغم استمرارها حتى السبعينيات من القرن الماضي في بعض الدول لكنها أبقت حالة التبعية و التشرذم في مناطق التماس ما أدى إلى خلافات غذاها النفوذ الصهيوأمريكي في المرحلة الجديدة و هذا ما جعل الإدارة الأمريكية تفكر في تقسيم دول المنطقة وفق خارطة جديدة لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و نهاية الحرب الباردة و المحاولة الأمريكية للتفرد بالسلطة و فرض هيمنتها الأحادية على المنطقة و العالم و لأجل ضمان أمن الكيان الإسرائيلي الذي لم يتمكن من تحقيق كامل مشروعه، بل و واجه مد المقاومة في المنطقة الذي راح يهدد وجوده. 
من هنا كانت المحاولات لتقسيم سوريا و العراق و ربما إيران، بل و برزت نوايا لتقسيم  المملكة العربية السعودية ناهيك عن اليمن الذي يراد له العودة إلى الوراء و تقسيمه ضمن كيانات متعددة و ليس شطرين. كما أن المشروع طرح بشكل آخر و بغطاء الفدرالية حتى في لبنان، و نحن نعلم أن الفدرالية قد تؤدي إلى نوع من النزعة الانفصالية كما ينادي البعض لها اليوم في إقليم كردستان العراق. 
كل هذه المحاولات لم تحقق أهدافها بفضل الوعي لدى الكثير من القوى الوطنية في هذه الدول و المقاومة التي واجهتها المشاريع الأمريكية للشرق الأوسط. 
عمليات التطبيع مؤخراً بين بعض الدول العربية و الكيان الإسرائيلي هي محاولة للتعويض عن الفشل في المشروع التقسيمي، كما أن التوجه الأمريكي الأخير لمواجهة الخطر الصيني قد يقلل من اهتمامات الإدارة الأمريكية الشرق أوسطية و يؤدي إلى التراجع عن اتفاقية سايكس بيكو جديدة بعد مرور مائة عام على الاتفاقية الاستعمارية. 
و عن السبل الكفيلة بالحفاظ على الوحدة و إحباط مشاريع التقسيم يمكننا تقديم توصيات عدة، و منها:
-تقديم المصلحة الوطنية على كل النزعات الانفصالية أو التي تضعف بلداننا فتعرضها للتقسيم ما يخدم مشروع الهيمنة الأمريكية و أمن الكيان الإسرائيلي. 
-تكثيف التعاون البيني و مواجهة أسباب فشل آليات التقارب و العمل الجماعي كجامعة الدول العربية و منظمة التعاون الإسلامي و تراجع سائر أُطر التعاون العربي كمجلس التعاون الخليجي و الاتحاد المغاربي و مجلس التعاون العربي سابقاً و عدم تحقيق كامل أهداف مشروع الوحدة الإسلامية الذي طرحته الجمهورية الإسلامية لأسباب مختلفة و منها الحملات الشاملة لإثارة النعرات القومية و الطائفية لشق الصف الإسلامي. 
-تعزيز التكامل الإسلامي عبر تقوية التجارة البينية و التعاون الأمني و العسكري الإقليمي و تأسيس و دعم آليات العمل المشترك كالمحكمة الإسلامية و الاتحاد البرلماني الإسلامي و منظمة إسلامية لشؤون المرأة و آليات و أُطر حماية حقوق الإنسان و غيرها. 
-بناء القوة على مختلف الصعد و تقوية الآليات الإقليمية بدلًا عن الاتكال على القوات الأجنبية و التحرك باتجاه إخلاء المنطقة من القوات و القواعد العسكرية الأجنبية. 
-التوازن في العلاقات مع الولايات المتحدة و أوربا، و دول الجوار، و القوى الصاعدة كالصين و روسيا و الهند بما يحقق المصالح و يرفع من مستوى عدم الانحياز و استقلالية القرار و يؤدي إلى تدني مديات التبعية. 
-عدم الانجرار وراء مشاريع التطبيع مع العدو الصهيوني و كذلك محاولات استعداء قوىً أخرى في المنطقة و العالم الإسلامي. 
-الاهتمام بالجانب المعرفي و تقديم المفاهيم و القيم الإسلامية و الوطنية بشكلها الأصيل و مواجهة مشاريع الإسلاموفوبيا و تشويه صورة الإسلام كالتطرف و التكفير و الإرهاب و كشف دور الاستعمار العالمي في صناعة المجموعات المتطرفة. 
-التحرك باتجاه التطوير و الانتاج العلمي و المعرفي و التقني و تعزيز النهضة العلمية في العالم الإسلامي و المضي قدماً باتجاه تحقيق التنمية المستدامة و الاكتفاء الذاتي. 
إن إرادة الشعوب و اهتمام النخب بتوعية الجماهير و مطالبة الحكومات بالعمل باتجاه تحقيق نهضة الأمة، كل ذلك يشكل الطريق الوحيد لإعادة مجد الأمة و صلابة موقفها في خضم التحديات الراهنة.

الفصلية: كسياسي محنك، كيف تقيمون دور السعودية و سياستها الخارجية في دعم الإرهاب و التطبيع مع العدو و شن الحرب الظالمة على المستضعفين في اليمن و التدخلات السلبية في العراق و غيرها؟

د.إبراهیم الجعفري: إن الخطاب الديني المدعوم من أطراف متنفذة في السلطة السياسية في السعودية كان له الدور الأساس في الترويج للتطرف و التكفير و إيجاد و دعم قوىً سياسية تبنت الأفكار السلفية بأنواعها ولاسيما السلفية التكفيرية و الجهادية. و قد اشتد خطاب هذه المجموعات عنفًا ما أوصلها إلى القيام بعمليات و حروب إرهابية دمرت الحرث و النسل و أودت بحياة الآلاف من الأبرياء و استهدفت البنى التحتية و المؤسسات المجتمعية ما أدى إلى كارثة فكرية و معرفية و سياسية و أمنية عطلت أو أخرت نهضة الأمة و ضيعت طريقها الذي انحرف عن بوصلتها الحقيقية و هي قضية فلسطين. 
مهما كانت الأسباب و الدوافع و الأداء، لايمكن إنكار هيمنة الخطاب التحريضي و التكفيري على قيادات و آليات و مجموعات سلفية سعودية غذت الإرهاب في المنطقة و أسست للكثير من الأزمات التي شهدتها. 
و على الرغم من التغيير الذي حصل في الخطاب الديني السياسي الرسمي للمملكة العربية السعودية إلا أنها لايمكن أن تتنصل دولة و مؤسسات دينية و علماء دين و جمعيات عن مسؤوليتها في معاناة شعوب المنطقة من جرائم القوى الإرهابية. 
لاسيما أن المملكة وظفت سياستها الخارجية باتجاه إذكاء الحروب الطائفية في لبنان و سوريا و العراق و ربما غيرها. فهي التي كان لها دور كبير في إثارة الفتنة أو غض الطرف عن أفواج الإرهابيين الذين خلقوا هذه الفوضى في منطقتنا. كما يمكننا ذكر الضغط السعودي لطرد سوريا من منظمة التعاون الإسلامي أو جامعة الدول العربية كمثال آخر على الجهود الدبلوماسية في دعم الإرهاب. إن في مقتل مئات بل و آلاف الإرهابيين السعوديين في سوريا و العراق خير دليل على مسؤولية الداعمين لهم في الأحداث التي جرت في المنطقة. 
من جهة أخرى فإن السعودية و إن لم‌تعلن التطبيع مع الكيان الصهيوني لحد الآن إلا أن الدعم الذي تقدمه للدول المطبعة و فتح الأجواء أمام الطائرات الإسرائيلية و تصريحات كبار الخبراءعن ضرورة التطبيع و غيرها من مبادرات تدل على أن المملكة العربية السعودية متجهة نحو التطبيع، و هذا له تبعاته بسبب كون السعودية تحتضن الحرمين الشريفين و لها مكانة خاصة عند المسلمين.
أما الحرب على اليمن فهي انطلقت عن خطإً في التقدير و أدت إلى كل أنواع الخراب والدمار و قتل الأبرياء من دون أن تحقق حتى جزءً من أهدافها، و كذلك الحال بالنسبة للعراق الذي بقيت السعودية تعارض العملية السياسية فيه حتى وقت متأخر و كان هو الآخر يعاني من تبعات الإرهاب الذي يمارسه عناصر من أتباع السعودية أو من المدعومين منها، و في وجود عشرات الإرهابيين السعوديين في السجون العراقية خير دليل على تورط هذه الدولة بشكل أو بآخر بتغذية الإرهاب أو دعمه في المنطقة. 
نحن نتمنى أن نشهد تغييرات إيجابية في تعاطي المملكة العربية السعودية مع الملف العراقي لاسيما بعد تحسن العلاقات بين البلدين كما نثمن الجهود لإيقاف الحرب على سوريا و اليمن و نأمل أن تتوصل الأطراف اللبنانية لحل يرضي الجميع بعيداً عن التدخلات الإقليمية و الدولية.

الفصلية: ما هو مستقبل موازين القوة في المنطقة، ولاسيما وضع حلفاء أمريكا في منطقة غرب آسيا بعد فشل الحروب التكفيرية الإرهابية في المنطقة و تأثيرات كل ذلك على المعادلات في هذه المنطقة؟

د.إبراهیم الجعفري: قلت في الإجابة على سؤال سابق إن الإدارة الأمريكية أخفقت في فرض هيمنتها الأحادية على العالم و تمرير مشاريعها الشرق أوسطية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و نهاية الحرب الباردة، كما و أنها لم تحقق أهدافها في إثارة الحروب و الفتنة في المنطقة و دعمها و إذكائها لها وصولاً إلى سايكس بيكو جديد و خارطة مختلفة للمنطقة تضمن المصالح الأمريكية و الأمن الإسرائيلي. 
لكنها ستواصل مخططاتها العدوانية و حضورها العسكري لفرض هيمنتها و دعم مصالحها و منها استمرار تدفق النفط و الغاز و تأمين مصادر الطاقة -و المنطقة غنية بها- و لضمان أمن الكيان الإسرائيلي و الحؤول دون تحرك العالم الإسلامي باتجاه تحقيق نهضته و تأمين استقلاله عن الإرادة و الأجندات الأجنبية الدخيلة، و لاستمرار السيطرة على هذه المنطقة الحساسة من عالمنا. 
من جهة أخرى، تريد الإدارة الأمريكية حلحلة الأزمة في المنطقة بما يضمن مصالحها لتتجه نحو الصين في صراعها القادم، و لذلك سعت لفرض التطبيع على الدول العربية لإنهاء كل ما يرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي، كما و تحاول اليوم الوصول إلى صيغة للحل في الملف النووي الإيراني، ناهيك عن تقليل دورها في الحرب على اليمن و العمل على إنهائها. 
على صعيد آخر، تؤكد كل التقديرات و الدراسات المستقبلية و حتى تقارير المراكز البحثية و الاستخباراتية الأمريكية أن ثقل السلطة و الاقتصاد و المال سينتقل في المستقبل القريب إلى الشرق، و قارة آسيا بالتحديد، و هذا ما يحدث تغييرات واسعة في موازين القوى لاسيما في ظل ظهور قوىً جديدة صاعدة كروسيا و الصين و الهند و حتى إيران في حال تغلبها على أزماتها و الحصار المفروض عليها، ناهيك عن قوىً أخرى كالبرازيل و غيرها. و المهم في هذا التطور هو تراجع الاقتصاد الأمريكي و هيمنة الدولار على التبادلات التجارية العالمية و ما يترتب عليها من نتائج كانت وخيمة دائماً على الاقتصادات الوطنية لمختلف البلدان و زادت من إحكام السيطرة الأمريكية على مقدرات الشعوب. 
فروسيا تحاول استعادة مكانتها التاريخية في الشرق الأوسط ما جعلها تؤدي دوراً فاعلاً في الأزمة السورية و تقف إلى جانب قوى المقاومة و الممانعة فيها على الرغم من الاحتفاظ بعلاقتها مع كل من تركيا و إسرائيل. بينما تعزز علاقتها مع إيران و تسعى لاستمرار تدفق الغاز الروسي إلى أوربا و إبقاء دورها الريادي في الأوبك النفطية و الغازية و الحفاظ على موازنة القوة في مواجهة أمريكا و الناتو و تسويق منظوماتها الدفاعية و لاسيما S300 و S400. 
و الصين مستمرة بصلابة في مواصلة مشروع الحزام و الطريق و تنفيذ مختلف الخيارات في إطار إحياء طريق الحرير للتحكم بالطرق البرمائية و الموانئ و حركة التجارة العالمية مآلًا لتسويق منتجاتها و الحصول على مصادر الطاقة لاستمرار حركة مصانعها ضماناً لمصالحها و لتأمين لقمة العيش لمواطنيها. 
التوجه الإيراني نحو الشرق و وثيقة التعاون التي وقعتها إيران مؤخراً مع الصين لاسيما بعد اليأس من الدول الغربية في ضمان تطبيق الاتفاق النووي بما يُؤْمِن مصالحها، تلك الوثيقة التي مانعت الإدارة الأمريكية من أن يخطو العراق خطوة مماثلة لها، سيكون له -أي للتوجه الإيراني نحو الشرق- الدور في تغيير موازين القوى لاسيما إذا حذت سوريا و ربما لبنان -حكومةً أو قطاعات تجارية- حذو إيران، و نجحت الصين في إكمال مسارات طريق الحرير، لأن مشروع الحرير سيغير معالم المنطقة و حصص القوى العالمية من الاقتصاد العالمي ما يترك آثاره على كل الموازين و المعادلات. 
لا يتوقع لآليات العمل الجماعي كمنظمة التعاون الإسلامي و جامعة الدول العربية أن يكون لها دور مهم و حاسم إذ ستبقى على حالتها الضعيفة و غير الفاعلة حاليًا بسبب الشروخ الحاصلة عن الحروب في المنطقة و الضغط الأمريكي باتجاه التطبيع و تراجع الدور السعودي فيها في ظل غياب قوة مؤثرة تلعب دورًا رياديًا يغير أوضاع المنظمتين. كما أن الآليات المناطقية ستبقى على ما هي، فالاتحاد المغاربي انتهى عمليًا بسبب التباعد الحاصل لاسيما بعد بدء ما سمي بالربيع العربي، و التطبيع من قبل المغرب و عدمه في كل من الجزائر و تونس، بالإضافة إلى الوضع المضطرب في ليبيا، بينما يبقى مجلس التعاون هو الآخر بعيدًا عن الحيوية و التأثير في مجريات الأحداث في المنطقة، و تبقى صورة كاريكاتيرية له ليس إلا. أما التعاون العراقي الأردني المصري الذي أعاد إلى الذاكرة مبادرة تشكيل مجلس التعاون العربي التي أطلقت في الحقبة الصدامية لن يتجاوز مجموعة عقود اقتصادية متنازع على مصداقيتها في خدمة مصالح الشعب العراقي على الأقل و سيبقى موضع معارضة قوية من قوىً و أحزاب عراقية فاعلة في الساحة. 
و الصراع سيستمر بين المحورين المسميين بالمقاومة و الاعتدال في ظل ازدياد توجه محور الاعتدال نحو التطبيع مع إسرائيل و المزيد من الانخراط في المشروع الأمريكي من جهة، و تنامي قوة محور الممانعة من جهة أخرى لاسيما إذا نجحت إيران بعد صمودها بوجه الضغوط الأمريكية في تغيير موازين القوة لصالح هذا المحور، و بعد إنهاء الحرب على اليمن و استعادة سوريا عافيتها و دورها. 
و يبقى العراق للأسف الحلقة الأضعف في رسم آفاق المستقبل لصعوبة اتخاذ قرار حاسم بأن يكون في أي من المحورين، و ذلك لأسباب عديدة ترتبط بالوضع الداخلي و الإقليمي و الدولي لا مجال لذكرها. 
أخيرًا أودّ القول إن هذه المنطقة التي ظهر فيها كل الأنبياء و كانت على مدى التاريخ محور التطورات العالمية يبدو أنها لن يستقر بها الأمر حتى يظهر صاحب الأمر.

الفصلية: ما هي توصياتكم لدعم الشعبين الفلسطيني و اليمني في صراعهما الجاري؟

د.إبراهیم الجعفري: شتان بين الحالتين في اليمن و فلسطين. قد تكون الجرائم ضد الأهالي في كلا البلدين متشابهة لكن هوية الصراع في كل منهما تختلف عن الآخر لاسيما في ميزان الفقه السياسي الإسلامي و بالنتيجة كيفية التعامل معهما. 
ففي اليمن هناك حالة اقتتال بين طائفتين من المسلمين تستهدف إلغاء جزء من الشعب اليمني و إعادة الرئيس هادي إلى السلطة بحجة مايسمى بالشرعية و ذلك لفرض واقع سياسي يخدم مصالح الجهة المعتدية، بينما الأمر في فلسطين يختلف تمامًا إذ نحن أمام احتلال جزء من دارالإسلام و تشريد أهله و إحلال مجموعة من الغاصبين محله. 
قد تكون الجرائم التي ارتكبت في كلا البلدين من قتل و إصابة الآلاف من المدنيين، ولاسيما الأطفال و النساء و الشيوخ، و كذلك النهب و التشريد و الدمار الشامل متشابهة، لكن هذا لايغير ماهية الصراع. 
و في اليمن يقاتل أنصارالله ما يسمى بالتحالف الذي شكلته المملكة العربية السعودية لأن الأخيرة مازالت تواصل هجوماتها ضد المناطق الآمنة في اليمن على الرغم من الفشل الذريع في تحقيق أهدافها التي كانت تتوقع أن تحققها خلال أيام أو أسابيع، فهي مستمرة في غاراتها الجوية و فرض حصار شامل مطبق لتجويع الشعب اليمني وسط الصمت الدولي على هذه السياسة الإجرامية. لذلك فإن قتال الشعب اليمني هو قتال الفئة الباغية التي لا تجنح إلى السلم فإن فائت يتوقف القتال، و هذا هو المؤمل من جميع العقلاء للبدء فوراً بمسار تفاوضي يؤدي إلى حل سلمي إذ لا نهاية متوقعة للأزمة إلا بالحل السياسي. 
بينما نحن في فلسطين أمام قضية احتلال جزء من دارالإسلام، و هذا ما يستدعي حشد الطاقات كلها لتحريره، ناهيك عن عمليات الغصب و القتل و التشريد و الاستيطان و الجرائم الممنهجة التي يرتكبها الكيان الصهيوني المحتل. 
فقضية فلسطين لا حل سياسيًّا أو تفاوضياً لها، و كل أنصاف الحلول في إطار عملية السلام التي انطلقت من أوسلو، بل قبلها من مدريد و كمب ديفيد، لم تضع حلاً للأزمة و لم تؤمن حقوق الشعب الفلسطيني. فلا حل لفلسطين إلا بتحريرها من النهر إلى البحر أو إجراء استفتاء عام بين الفلسطينيين الأصلاء مسلمين و مسيحيين و يهوداً لتحديد نوعية الحكم الذي يريدونه و لاتخاذ القرار حول مصير الصهاينة المحتلين و المهاجرين اليهود. 
و حتى إجراء هذه المبادرة ينبغي دعم الشعب الفلسطيني و تمكينه في مواجهة العدوان و القتل و التجويع و التشريد. 
إن دعم الشعب اليمني يكمن في التخفيف من معاناته عبر إيصال المساعدات الإنسانية الفورية له و مطالبة المعتدي بوقف إطلاق النار و التزامه بأحكام القانون الإنساني الدولي في خضم الحرب و النزاع المسلح و عدم استهدافه للمدنيين و التراث الديني و التاريخي و الثقافي، بالإضافة إلى دعم المسار التفاوضي و الحوار و الحل السياسي اليمني اليمني و التعاون الإقليمي و الدولي لإعادة إعمار البلد بعد التوصل إلى حل شامل عادل دائم للأزمة، بينما من واجب الشعوب العربية و الإسلامية أن تدعم الشعب الفلسطيني في نضاله للتحرير و إنهاء الاحتلال و تقرير المصير، و ذلك بكل الإمكانات السياسية و الدبلوماسية و الإعلامية و المالية و الميدانية و تمكين الشعب لاستيفاء حقوقه كاملة و منها حق العودة و بناء دولته و عاصمتها القدس. 
إن قضية فلسطين لا تخص الفلسطينيين و العرب و إنما هي قضية إسلامية و إنسانية بامتياز، و هي في الوقت ذاته قضية مصيرية و استراتيجية تترك آثارها على كل المعادلات و موازين القوة في المنطقة التي لن ترى الأمن و الاستقرار و السلام إلا بعد تطبيق حل عادل لها.
بقي أن نثبت حقيقة الدوافع الكامنة وراء الاغتصاب لفلسطين أو الأيادي الخبيثة وراء الاحتراب اليمني اليمني، فهي الدوافع ذاتها في العمق وإن بدت في ظاهرها محلية.
ولعل من أخطر ما تعاني منه الشعوب هو تغلغل الأعداء في جذورها وإشعال الفتن بين مكوناتها وإن بدت في ظاهرها داخلية وبعيدة عن أعدائها الحقيقييّن! لقد سعى اليهود في المدينة المنورة وفي عصر صدر الإسلام لإعادة الاحتراب بين الأوس والخزرج بعد أن وحّد الإسلام صفّهم وطوى صفحة الاقتتال بينهم وقد نزلت الآية الشريفة في هذا المورد "يَا أَيّهَا النَّاس إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّه عَلِيم خَبِير" وبذلك طويت صفحة الاقتتال بينهما الى غير رجعة. 
كما إن تناول الملفين الفلسطيني واليمني لا يمكن أن يؤخذا بمعزل عن ملفات البلدان الإسلامية الأخرى كالسودان والباكستان سابقاً.  إن سياسة افتعال الحروب بين البلدان وبين المكونات في داخل البلد الواحد كخطوة على طريق احتلال البلد أصبحت واضحة لدى المتتبعين 
يدرك المسلمون حقيقتين تكشفان عمّا يخطط له أعداؤهم ولكنهم رغم ذلك لا يرتّبون عليها الآثار المطلوبة وهما سياسة "فرّق تسد" وحقيقة "وحدة الأمة سرّ قوتها"وهو ماجعل أعداء الأمة يزرعون فيها شتى أنواع الفتن!!.. ولم تزل الأمة في غفلة عميقة!

الفصلية: كيف تقيمون سياسات بعض الدول العربية و منها الإمارات في الارتباط و التفاعل مع الكيان الصهيوني؟
د.إبراهیم الجعفري: مما لا شك فيه أن النظام العالمي الجديد الذي أفرزته الحربين العالميتين في القرن الماضي بإدارة من القوى المنتصرة في الحرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، من أجزائه زرع الكيان الصهيوني في المنطقة للحؤول دون تحقق نهضة العالم الإسلامي. و قد ازدادت المنظومة الغربية ذات النوايا الاستعمارية إصرارًا على دعم الكيان و الحفاظ على أمنه بعد نهاية الحرب الباردة و المحاولة الأمريكية بالتفرد في الهيمنة على العالم. ثمة تطورات أخرى كان آخرها الصراع الأمريكي الصيني المستجد جعل الإدارة الأمريكية تسرّع في مخططاتها لفرض هذا الواقع و تهدئة الأمور في المنطقة للتوجه نحو الصين. و من هنا كان الإصرار على الدول العربية في اتخاذ هذا المنحى. فالتطبيع كان دائماً تخطط له إسرائيل و من ورائها الإدارة الأمريكية لكن عملية التطبيع أصبحت اليوم ضرورة ملحة مستعجلة أكثر من أي وقت مضى. فالمقولة الشهيرة لشيمون بيريز "إننا لا يمكن أن نكون عربًا فعلى العرب أن يكونوا شرق أوسطيين" و المشاريع الأمريكية المختلفة للشرق الأوسط و دعوات الإصلاح و مؤتمراته، و التي كانت من العوامل المساعدة لماسمي بالربيع العربي انطلاقًا من الغضب الشعبي العارم في بعض الدول العربية كلها نماذج في هذه المسيرة للتطبيع على مدى خمسة عقود مضت حتى يومنا هذا. 
إن المحاولة الأمريكية لتكييف الأوضاع في الشرق الأوسط بما تقتضيه مصلحة الكيان الإسرائيلي مستمرة و بقوة، و منها جرّ الدول العربية نحو التطبيع، و الذي استجابت له بعض الدول الخليجية و المغرب و السودان، و قبلها مصر و الأردن. 
و جاء قرار الدول المطبعة الأخير كرصاصة رحمة حتى على مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز و اعتمدتها جامعة الدول العربية. 
و إذا كانت مصر و الأردن طرحتا قضايا الأمن و الاستقرار و التنمية كأهداف لعملية التطبيع، فالدول الخليجية لايمكن أن تدعي ذلك إذ لا فائدة من التطبيع، بل العكس صحيح، فالتطبيع سيؤدي إلى أضرار بهذه الدول. 
استغلال السوق العربية لتسويق المنتجات الإسرائيلية على حساب التجارة البينية العربية و الإسلامية، و اختراق الهوية الإسلامية و العربية لشعوب المنطقة إثر التطبيع بعد أن‌جبلت على العداء للصهاينة المحتلين و ما يترتب على ذلك من خروقات للقيم الدينية و المجتمعية و إيجاد حالة من التيه و الضياع للأجيال الصاعدة و لاسيما على صعيد المشردين الفلسطينيين و الحضور الأمني و الاستخباراتي و العسكري لإسرائيل و ما يتمخض عنه من اضطرابات قد تحصل هنا و هناك في التعامل مع مختلف الملفات، كلها تشكل أجزاء من الأخطار التي تحدق بالمجتمعات التي توجهت حكوماتها نحو التطبيع ناهيك عن إمكان بروز تيارات معارضة في الساحة ما يزيد الإرباك و ينسف الاستقرار و اللحمة الوطنية. 
و لست أدري علام ستحصل هذه الدول مقابل كل هذه الأخطار التي تهددها. 
و الأخطر من كل ذلك هو الضغط الأمريكي و الخليجي على دول أخرى في المنطقة للالتحاق بهذا الركب، ما يزيد مشروع التطبيع خطورة. و إنني أدعو كل الدول في المنطقة إلى مراجعة سياساتها و التنسيق المشترك بينها حول قضية فلسطين و هي القضية المركزية و إعادة النظر فيها كما أحذر سائر الدول من الوقوع في شراك التطبيع.

الفصلية: كيف ترون العلاقات الإيرانية العراقية و ما هو تقييمكم لدور الجمهورية الإسلامية في العراق؟
د.إبراهیم الجعفري: بخصوص العلاقات العراقية الإقليمية عموماً والعلاقة العراقية الإيرانية خاصة فهي خاضعة لمجموعة حقائق الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والتداخل المجتمعي وبمجموعها تلعب دوراً مهماً في بلورة العلاقة ومدى ديمومتها.. 
العلاقة بين الدول واقع تصوغه هذه الحقائق وغيرها، و هي حقائق ينبغي احترامها و الاعتراف بها ما دامت لم‌تتحول العلاقة إلى تدخل بالشؤون الداخلية لأيٍّ من الطرفين.  لقد أصبحت علاقات الدول مع بعضها سمةً حضارية في عالمنا المعاصر وهنا نأخذ بنظر الاعتبار مثالاً وجود المراقد المقدسة في البلدين العراق و إيران وتمسك الشعبين المسلمين بها وإنها تضفي بعداً روحياً وأخلاقياً لشد الأواصر بينهما وهذه حقيقة مجتمعية لا ينكرها أحد شريطة أن تكون مبعث تعاط إيجابي للشعبين المسلمين خصوصاً و أن الشعبين المسلمين العراقي والإيراني يملكان تاريخاً حضارياً متجذراً يحضى باحترام العالم كما إنهما أي العراق وإيران يتميزان بموقع ستراتيجي وبثروة اقتصادية طائلة شكلت هي الاخرى مطمعاً للكثير من دول العالم.. 
كل هذه النعم و غيرها شدّ أنظار العالم عموماً والدول ذات الشأن خاصة لتبحث لنفسها عن موطأ قدم بعالم تبدل الحقائق المجتمعية على ضوء الجغرافية ما أدى إلى حوارات هادئة تارة أو ساخنة تارة أخرى. 
 ويبقى غياب القيم وانخفاض منسوب الرصيد الإنساني عاملاً مهماً خطراً في إشعال فتيل الحروب بين الدول وهو ما يؤكد ضرورة بلورة نظرية في العلاقات تحفظ لها حقوقها وتجعلها بعيدة عن أي نوع من أنواع الحروب والمشاكل التي تلتهم نيرانها سياداتها!! في فترة تاريخية بدأت بعض منظومات الدول المتآلفة بل المتحدة تعاني من التهديد بالفرقة رغم ما يجمعها من مصالح ويهددها من مخاطر .. 
مثلما تكون الحقيقة الجغرافية ثابتة وغير قابلة للتغيير فليس بأيدينا اختيار التجاور بين العراق و إيران وبينهما وتركيا كما لم يكن بيد العراق أن يختار الدول الست كدول مجاورة فلابد من أن‌يصوغ العراق العلاقة المجتمعية وكذلك السياسية على ضوئها وهي ليست عصيةً عن التحقيق مع توفر النيات الحسنة والإرادة الجادة وهو ما يقع على عواتق الأفذاذ من أبناء الشعبين، فالعلاقة ليست علاقة إحتراب أو  تغالب، بل تعاون و تكامل،  وهذا ما تمليه القيم الحقة.. 
و تبقى علاقات حسن الجوار و التاريخ و المصير المشترك محاطاة بعين الله ورعايته بعيداً عن أي سوء.

الفصلية: ما هي التغييرات في الأهداف و الطروحات التي ستطرأ على السياسة الخارجية الأمريكية خلال عهد بايدن لاسيما بالنسبة إلى الدول العربية و الإسلامية؟ هل تتوقعون تراجع التدخلات و الضغوط الأمريكية على العراق و دول المنطقة؟

د.إبراهیم الجعفري: كان خطاب الرئيس بايدن خلال حملته الانتخابية يختلف في بعض جزئياته عن سلفه ترامب الذي يعدّ ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ الرؤساء الأمريكان، ما زاد من الإقبال عليه لاسيما من قبل شرائح خاصة من المجتمع الأمريكي كالمسلمين و الزنوج و غيرهم. 
و منذ وصوله إلى سدة الرئاسة شهد المسرح السياسي في الولايات المتحدة بعض التغييرات، و منها بالإضافة إلى الاهتمام بالداخل و مكافحة الجائحة العالمية و غيرها، الموقف من مجموعة من الملفات الساخنة كالملف النووي الإيراني و إعلان خروج القوات الأمريكية من أفغانستان و التخفيف من حجم صفقات السلاح المباع إلى المملكة العربية السعودية و ما برز من تغيير شكلي في العلاقة مع نتنياهو دون المس بالسياسة الأمريكية الثابتة في الدعم المطلق للكيان الإسرائيلي و أمنه و مصالحه، بينما بقيت الحالة في العراق بشقيها السياسي و العسكري لم تشهد تغييراً محسوساً في الموقف و الإجراءات بالمقارنة مع الحقبة الترامبية. كما و يتوقع أن يزداد التوتر بين الولايات المتحدة و الصين و يبدأ عهد جديد من الحرب الباردة بين الإدارتين الأمريكية و الروسية. 
و كما قلت سابقاً لا يتوقع حصول تغيير جذري في السياسات الأمريكية لاسيما  في العالمين العربي و الإسلامي لأن الولايات المتحدة تمثل أقوى نموذج لدولة المؤسسات و اللوبيات العميقة التي تحدد هي (أي اللوبيات) الخطوط العامة لهذه السياسات تاركة حيزًا محدوداً جداً لما يقتضيه التنافس بين الحزبين الأساسيين و المرشحين للرئاسة أو الرؤساء. 
و على أي حال، إن أية خطوة باتجاه تقليل التدخلات الأمريكية في المنطقة و التخفيف من العسكرتاريا و العودة إلى التزامات الإدارة الأمريكية بأحكام القانون الدولي و منها ما يرتبط بخطة العمل الشاملة للملف النووي الإيراني تشكل بوادر تغيير إيجابية في السياسة الأمريكية.  لكن علينا تأكيد حقيقة مهمة و هي أن الشعوب في المنطقة هي صاحبة القرار في تقرير المصير و التي بإمكانها و من حقها بل واجبها أن تضع سياساتها و تعمل على تطبيقها لتأمين مصالحها و تحقيق نهضتها و أداء دور أبرز على الساحتين الإقليمية و الدولية بعيداً عن فضاءات الهيمنة و النفوذ معتمدة على قدراتها الذاتية مقيمة علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية و الدولية ذات التأثير و الحضور الفاعل في المنطقة. 
و من هنا نتأمل تغيير السياسة الأمريكية بالنسبة إلى العراق باتجاه مساعدة هذا البلد في استعادة موقعه و تعزيز قدراته و تقوية قواته العسكرية و بناء علاقات سياسية متوازنة بما يضمن استقلال قراره السياسي و الاقتصادي و بالنهاية جدولة انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي العراقية للتخفيف من حدة التوتر الحالية في بلدنا الحبيب.
الفصلية: ما هي مقترحاتكم لتجاوز التحديات الراهنة في المنطقة؟ و ما هي وظائف الدول و القوى ذات التأثير فيها؟

د.إبراهیم الجعفري: إن بناء القوة و التعاون البيني في إطار آليات العمل المشترك يشكلان العنوانين الأهم في مواجهة التهديدات و التحديات التي لن تتخلص منها المنطقة نظراً لأهميتها الجيوسياسية و الجيواقتصادية و الجيواستراتيجيّة المتزايدة. 
و بما أن بناء القوة و التعاون و العمل المشترك لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل وجود دول لها السيادة و القوة و الإرادة، لذلك فإن الخطوة الأولى تكمن في إجراء مصالحة وطنية بين مختلف القوى الفاعلة في الساحة في دول المنطقة ما يجعل حكوماتها تحظى بدعم شعبي واسع و يتم بناء القوة المتأتية من إرادة الشعب و ليس بالاعتماد على القوى الأجنبية ما يسهل عملية بناء القوة على الرغم من كل الضغوط لإبقاء حالة التبعية. 
كما أن التعاون في كل أوجهه و لاسيما التعاون الاقتصادي و التجاري البيني لا يتحقق إلا إذا وضعت الدول خطة استراتيجية و استشرافية للتنمية الشاملة المستدامة المرتكزة على السيادة و القوة ما يحقق المناعة و التمكن من تحدي التهديدات الراهنة. 
و كل ذلك بحاجة قبل كل شيء إلى بناء معرفي و صناعة السياسات العامة و رسم آفاق المستقبل و تحديد الثابت و المتغير في مسيرة التطور و التقدم المرجوة و ما يقتضيه ذلك من نهوض علمي و وضع خطة للإنتاج العلمي و المعرفي يشكل القاعدة الأساس لبناء القوة و تحقيق التعاون و مواجهة التحديات. 
و أخيرًا أضيف إلى أن هذا الصراع ليس صراعًا وجوديًا فحسب بمعنى أن نكون أو لا نكون، و إنما هو واجب أخلاقي و ديني و قيمي يمليه علينا الجدل الدائم بين الحق و الباطل على مر تاريخ التجربة الإنسانية و تقره الديانات و العقيدة النابعة من السماء و الوحي الإلهي، و هو ما جاء من أجله الإسلام الحبيب كديانة خاتمة أبدية تبني الإنسان و كل نظم الحياة و تؤسس لحضارة إنسانية عالمية جديدة تمهد للدولة الكريمة التي ننتظر جميعاً أن تتحقق في عصر الظهور بإذن الله و تملأ الأرض قسطاً و عدلاً.

الفصلية: كيف تقيمون أوضاع محور المقاومة في المنطقة بعد تطورات السنين الأخيرة و وصول بايدن إلى السلطة في أمريكا؟

د.إبراهیم الجعفري: لا شك أن المنطقة شهدت في العقود الأخيرة تغييرات مهمة تركت آثارها على ميزان القوى و المعادلات السياسية. 
أمريكياً يعدّ أمن الكيان الإسرائيلي هو الخط الأحمر، و لذلك بذلت الإدارة الأمريكية كل محاولاتها للحفاظ على التفوق العسكري بل و الاقتصادي و العلمي و التقني للكيان على سائر دول المنطقة ما أدى إلى ان تكون نتائج جميع الحروب العربية الإسرائيلية لصالح الكيان. و من أجل تكريس هذا الواقع انطلقت عملية ما يسمى بالسلام منذ توقيع اتفاقية كمب ديفيد لتطبيع وجود الكيان في محيطه العربي و الإسلامي منعاً لتحقق نهضة الأمة. 
إلا أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران أعاد قضية فلسطين إلى الاهتمام العربي و الإسلامي و جعلها البوصلة في التمييز بين منهجين: المشروع الأمريكي للتطبيع في المنطقة و الخط الذي يُؤْمِن بالتحرير و التصدي للمشروع الأمريكي. 
ثمة تحولات كبيرة شهدتها المنطقة من خلال هذه المواجهة بين المنهجين انطلاقاً من تحرير الأراضي اللبنانية في  العام ٢٠٠٠ مروراً بفشل إسرائيل في حروبها الثلاث ضد قطاع غرة و حتى إحباط المشروع الاستعماري الذي تمثل في صناعة التيارات المتطرفة و التكفيرية و الإرهابية من القاعدة حتى داعش و النصرة و أخواتهما و الذي أريد من خلاله تحقيق ما لم يتحقق في عملية زرع الكيان الإسرائيلي و تأمين تفوقه العسكري و تطبيعه و كل المشاريع الشرق أوسطية التي رسمت من أجل منع الأمة من بناء نهضتها. 
إن النجاح في القضاء على داعش في سوريا و العراق و الإنجازات التي تحققت خلال عملية التصدي للمشاريع الأمريكية الداعمة لإسرائيل في المنطقة كرّس كل ذلك واقعاً جديداً و هو بناء محور سمي بمحور المقاومة و الممانعة الذي أصبح اليوم واقعاً لا يمكن إنكاره، و تقدم خطوات إلى الأمام في مواجهة التطبيع و التسوية. 
قد يتقدم هذا المحور أو يتراجع في محطات تاريخية هنا و هناك، و قدتكون المواجهة أصعب في القادم من الأيام نظراً لإصرار الإدارة الأمريكية على إبقاء موازين القوى لصالح إسرائيل، الأمر الذي سيزداد أهمية في صراع الإدارة الأمريكية القادم مع العملاق الصيني و مع ظهور بوادر انتقال مركز ثقل السلطة و الثروة إلى الشرق و القوى الصاعدة فيه ما يتطلب التفرغ من أزمات الشرق الأوسط، لكنه يبدو أن الصراع الوجودي بل و المعرفي و الإيماني ضد الكيان و المشروع الصهيوني لن يخمد على الرغم من الإرادة الاستكبارية. 
إن المواقف التي أطلقها الرئيس بايدن منذ حملته الانتخابية و خلال ما مضى من أيام ولايته تشكل خطوة مطلوبة لاسيما في وضع حد للتجاوزات و الجرائم التي يرتكبها الصهاينة أو في التعاطي مع بعض الدول و الملفات في المنطقة إلا أن ذلك لن يغير من السياسة الثابتة لدولة المؤسسات و اللوبيات العميقة في الولايات المتحدة و المعسكر الغربي تجاه إسرائيل و الحفاظ على أمنها و تفوقها ما يتطلب من القوى التحررية في المنطقة مواصلة طريقها لتحقيق المزيد من التقدم و الإنجازات لاسيما في ظل الظروف المؤاتية دوليّاً لإنهاء الهيمنة الأمريكية الأحادية على العالم.
الفصلية: نشكركم بأفضل الشكر 


قراءة: 89