فصلنامه مطالعات سیاست خارجی تهران
 

العلاقات عبر الأطلسي و الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ۲۰۲۰م

مهدي قنبري
خبير في شؤون الأوروبية

ملخص:
إذا أردنا أن نعرف كيف تنظر أوروبا في الظروف الراهنة إلى انتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 م فلا بد أن تكون لدينا معرفة دقيقة بالعلاقات عبر الأطلسي و بالتحديد مقاربتي «ألمانيا و فرنسا» في غياب إنجلترا٬ و التي تعدّان محرّكي الاتحاد الأوروبي لتنظيم هذه العلاقات. بالنسبة لألمانيا ليس لديها تجربة تاريخية في التخلّي عن الناتو٬ بخلاف فرنسا٬ و لهذا نلمس مساحة من التباين في الرؤية لطبيعة العلاقات عبر الأطلسي٬ و «شيئاً من عدم الاستقرار المصحوب بالاضطراب في اتّخاذ القرار» فيما يتعلّق بتنظيم العلاقات مع الولايات المتحدة. أمّا فرنسا٬ ففي ضوء المشاكل الداخلية يرجّح ماكرون عدم فتح جبهة جديدة في السياسة الخارجية حتى الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2022 م على الرغم من بعض الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة٬ و لذا يحاول الحفاظ على الشكل الحالي للتعاون مع الناتو٬ كما يتحرك باتجاه المتابعة المتزامنة لفكرتين اثنتين «الجيش و مجلس الأمن الأوروبي» بالتوازي مع استمرار «مجلس التعاون الأمني الفرنسي الروسي». كما أعلنت ألمانيا صراحةً أنّها سوف تقدّم في النصف الثاني من2020 م مبادرة تتضمّن «إطار مجلس الأمن الأوروبي» بحضور إنجلترا. و على الرغم من أنّ ألمانيا في السنوات المقبلة سوف تتابع بقلق الخلافات داخل حلف الناتو٬ لكنّ وجهة نظرها ستقترب أكثر فأكثر من وجهة نظر فرنسا مقارنة بما كانت عليه في الماضي٬ ويبدو أنّ التعاون الأمني الأوروبي مع الولايات المتحدة على المدى المتوسط سوف يكون نتيجة لعنصرين: 1- طبيعة التعاون بين فرنسا و ألمانيا  2- مقاربة الفريق الجديد للاتحاد الأوروبي.
الكلمات الأساسية: ألمانيا٬ فرنسا٬ إنجلترا٬ أوروبا٬ العلاقات عبر الأطلسي٬ ترامب٬ بايدن.

 

 

 


مقدمة
إذا أردنا أن نعرف كيف تنظر أوروبا في الظروف الراهنة إلى انتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 م لا بد أن تكون لدينا أولاً معرفة دقيقة بالعلاقات عبر الأطلسي و بالتحديد مقاربتي «ألمانيا و فرنسا» في غياب إنجلترا٬ و التي تعدّان محرّكي الاتحاد الأوروبي لتنظيم هذه العلاقات. يعتبر الأمن القاعدة التي انبنت عليها العلاقات التقليدية عبر الأطلسي. بالنسبة لألمانيا ليس لديها تجربة تاريخية في عدم مواكبة الناتو٬ بخلاف فرنسا٬ و لهذا نلمس مساحة من التباين في الرؤية لطبيعة العلاقات عبر الأطلسي٬ و «شيئاً من عدم الاستقرار المصحوب بالاضطراب في اتّخاذ القرار» فيما يتعلّق بتنظيم العلاقات مع الولايات المتحدة.
في ضوء المشاكل الداخلية و الهزيمة الأخيرة في انتخابات المجالس البلدية في فرنسا فإنّ ماكرون يرجّح عدم فتح جبهة جديدة في السياسة الخارجية حتى الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2022 م على الرغم من بعض الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة٬ و لذا يحاول الحفاظ على الشكل الحالي للتعاون مع الناتو٬ و بالتزامن يعرب عن سخطه من سياسات ترامب إزاء هذه المنظمة كما يتحرك باتجاه المتابعة المتزامنة لفكرتين اثنتين «الجيش و مجلس الأمن الأوروبي» و استمرار «مجلس التعاون الأمني الفرنسي الروسي». كما أعلنت ألمانيا صراحةً أنّها سوف تقدّم في النصف الثاني من2020 م مبادرة تتضمّن «إطار مجلس الأمن الأوروبي» بحضور إنجلترا. و تتكامل هذه المبادرة تماماً مع رؤية ماكرون حول تأسيس الجيش و مجلس الأمن الأوروبي٬ لذلك٬ و على الرغم من أنّ ألمانيا في السنوات المقبلة سوف تتابع بقلق الخلافات داخل حلف الناتو٬ لكنّ وجهة نظرها ستقترب أكثر فأكثر من وجهة نظر فرنسا مقارنة بما كانت عليه في الماضي٬  و يبدو أنّ التعاون الأمني الأوروبي مع الولايات المتحدة على المدى المتوسط سوف يكون نتيجة لعنصرين: 1- طبيعة التعاون بين فرنسا و ألمانيا  2- مقاربة الفريق الجديد للاتحاد الأوروبي.
موقف فرنسا
في الذكرى السنوية السبعين لتأسيس حلف الناتو أجرت صحيفة Economist البريطانية مقابلة صحفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن فيها أنّ «الناتو يعاني من موت سريري٬ و لم يعد بمقدور أوروبا أن تعتمد على الولايات المتحدة للحفاظ على أمنها. إنّ تجاهل أوروبا لتاريخها و تغيّر السياسات الأمريكية و صعود الصين كقوة عظمى خلال الخمس عشرة سنة الماضية سيؤدّي إلى احتمالات ظهور أقطاب جديدة في العالم بما سينطوي عليه بديهياً من إضعاف أوروبا بشكل كبير». و في جوابه على سؤال لمراسل الصحيفة المذكورة: هل ما زالت المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي التي تنصّ على الدفاع المشترك و أنّ الحملة على أحد أعضاء الحلف  بمثابة حملة على جميع أعضاء الناتو٬ هل ما زالت نافذة أم لا؟ أجاب ماكرون: لا أدري!».
يعتقد بعض المحلّلين أنّ تصريحات ماكرون تشكّل امتداداً لنفس المفهوم الذي طرحه الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران في أعقاب انتهاء الحرب البادرة و المتمثّل في الحوار الأمني الدائم مع روسية بشأن الأمن الأوروبي. بعد 30 سنة من سقوط جدار برلين أعاد ماكرون إحياء ذلك المفهوم بقوله «لا نستطيع أن نظلّ في حالة توتّر دائم مع روسية». لقد أكّد ماكرون على أنّ هذا لا يعني القبول بكل مطالبات روسية و إنّما محاولة لوضع إطار لحوار أمني أوروبي (Pan-European Security Dialogue Structure). طبعاً ليس بالضرورة أن يكون هذا الإطار تعبيراً عن اتحاد عسكري أو انهيار الناتو بل خارطة طريق مغايرة. يعتقد المحلّلون الفرنسيون أنّ «دول شمال و شرق أوروبا تحمل هواجس قوية إزاء التهديد الروسي٬ و ترى أنّ تصريحات ماكرون آنفة الذكر تصبّ في خانة استفزاز الولايات المتحدة لتتوقّف في نهاية المطاف عن الدفاع عنهم». الأمر المهم هنا هو أن تبيّن فرنسا لتلك الدول أنّها ليست بصدد تجاهل هواجسهم إزاء التهديد الروسي٬ و في نفس الوقت فإنّ موضوع ابتعاد الولايات المتحدة عن ضمان أمن أوروبا لا يرتبط بترامب بل بعملية طويلة الأمد بدأت منذ عهد أوباما و ستستمر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020 م٬ بقطع النظر عمّن سيكون الرئيس الأمريكي القادم. فعلى فرنسا أن توجّه الأوروبيين و تقنعهم بأنّ هذا الأمر يصبّ في مصلحة جميع أعضاء الاتحاد لا مصلحة فرنسا وحدها». 
يعتقد جان بيير مولني Jean – Pierre Maulny نائب رئيس مؤسسة العلاقات الدولية و الاستراتيجية الفرنسية (IRIS)1أنّ «الخروج الأحادي للولايات المتحدة من خطة العمل المشتركة في عام 2018 م و كذلك الإعلان عن سحب القوات الأمريكية من سورية عام 2019 م مؤشران كبيران على ظهور انشقاق على ضفتي الأطلسي و الذي سيؤدي إلى الإضرار بمصالح أوروبا الأمنية أيضاً. خلال الحملة العسكرية التي شنّتها تركية في شمال سورية احتجّ الفرنسيون على هذه الخطوة واستغربوا كيف لا تدرك الولايات المتحدة المخاطر التي تحيق بهذه الحملة و احتمالات أن تؤدّي إلى إطلاق سراح عدد كبير من عناصر داعش٬ و ما يشكّله ذلك من تهديد خطير على أمن فرنسا؟ كيف تصرّح أمريكا بأنّ أوروبا لم تدفع ثمن أمنها بينما عمدت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو في السنوات الثلاث الأخيرة إلى زيادة حصصها في ميزانية الحلف؟ لا شكّ أنّ رؤية ماكرون واضحة لا يشوبها أيّ غموض و هي: على أوروبا أن‌تمسك بزمام أمنها بيدها. و على المواطنين الأوروبيين أن يعلموا أنّ الناتو لا يملك أيّ جيش٬ وحدها الجيوش الوطنية تستطيع أن تتعاون مع الناتو أو أيّ إطار آخر. على الاتحاد الأوروبي أن يوسّع من قدراته العسكرية و يركّز على بعض المبادرات من قبيل: التعاون الممأسس الدائم ( Permanent Structured Cooperation) و  صندوق الدفاع الأوروبي (EDF) 2 لأنّ على الأوروبيين أن يتعاطوا مع أمنهم بجدية أكبر و أن يعلموا بأنّنا لا يسعنا أن نعتمد على الولايات المتحدة إلى الأبد».
قد يتحتّم علينا أن نعزو خلفية هذه المقاربة الفرنسية إزاء التعاون عبر الأطلسي  في ثنايا العلاقات الفرنسية الأمريكية في عهد الرئيسين ماكرون و ترامب. ففي كلمة له في الثاني عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 م أثناء مراسيم افتتاح مؤتمر «مجمع السلام» في باريس و الذي غاب عنه أعضاء من إدارة ترامب قال ماكرون: «إنّنا نمرّ بأزمة غير مسبوقة تصيب النظام العالمي. إنّ حالة اللامساواة التي برزت بين الشعوب و الحكومات نتج عنها تصاعد التحديات القومية حتى في أوساط من كنّا نعتقد أنّهم آخر حراس النظام العالمي». و في دفاعه عن التعددية القطبية و التعاون المتوازن بين الدول٬ ملمّحاً إلى سياسات دونالد ترامب قال ماكرون: «أمر خطير للغاية أن نركّز اهتمامنا على أنفسنا فقط» و أضاف: «لقد جرّبنا هذا الخيار في السابق فكانت النتيجة الحرب٬ النزعة القومية تعني الحرب».
وفي تعاطيها مع الوضع الذي خلّفه مجيء ترامب إلى البيت الأبيض٬ تحركت فرنسا في السنتين الأخيرتين صوب متجهين٬ المتجه الأول هو متابعة مبادرتها الخاصة بالجيش الأوروبي و تأسيس ما يشبه مجلس الأمن الأوروبي٬ و يبدو أنّ هذه المبادرة قد طُرحت بالتنسيق التام بين محور باريس – برلين خصوصاً بعد تصريحات وزير الخارجية الألماني هايكوماس بشأن مبادرة مجلس الأمن الأوروبي التي طرحتها ألمانيا في النصف الثاني من 2020 م.
المتجه الثاني يتعلّق بمبادرة ماكرون لإحياء العلاقات مع روسية و بالتبع تأسيس مجلس التعاون الأمني الروسي الفرنسي. و في هذا الإطار فإنّ هدف فرنسا من طرح المبادرة عدا عن كونها تشكّل٬ بنحوٍ ما٬ إضعافاً لدور الناتو٬ هو خلق أجواء تقودها فرنسا لتبنّي سياسة أوروبية جيوسياسية في مواجهة روسية (بين غيبة بريطانيا و تردّد ألمانيا).  لذا لا يُعتقد أنّ استراتيجية فرنسا في الوقت الراهن هي الخروج من الناتو أو حتى تعليق نشاطها في هذه المنظمة. من هنا فإنّ الهدف الرئيسي من تصريح ماكرون بأنّ الناتو يعاني موتاً سريرياً كان٬ على الأرجح٬ بمثابة إطلاق تحذير من غياب التنسيق في الناتو و الناجم عن السخط الذي تشعر به باريس من «انسحاب القوات الأمريكية من سورية و الحملة الأحادية لتركية في سورية (تركية بوصفها أحد أعضاء الناتو وحملتها ضدّ الأكراد الذين يعدّون بنحوٍ ما حلفاء فرنسا) من دون التنسيق مع سائر أعضاء الناتو. 
بالنسبة للعلاقات بين فرنسا و الولايات المتحدة لا بدّ من التركيز بشكل أكبر على التوترات التجارية و الاقتصادية بين الجانبين٬ من أهمّها الضرائب العالية التي فُرضت على الشركات الأمريكية العاملة في فرنسا٬ و التعرفة الجمركية الباهضة التي فرضتها إدارة ترامب على واردات السلع و المواد الأولية الفرنسية.  لكن٬ بشكل عام٬ و نظراً لهزيمة حزب ماكرون «الجمهورية إلى أمام» في انتخابات المجالس البلدية الأخيرة في فرنسا٬ و السخط الداخلي العام على أداء الحزب المذكور٬ يبدو أنّ ماكرون يرجّح عدم فتح جبهة جديدة في السياسة الخارجية حتى الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2022 م على الرغم من بعض الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة٬ و لذا يحاول الحفاظ على الشكل الحالي للتعاون مع الناتو٬ و بالتزامن يعرب عن سخطه من سياسات ترامب إزاء هذه المنظمة كما يتحرك باتجاه المتابعة المتزامنة لفكرتين اثنتين «الجيش و مجلس الأمن الأوروبي» و استمرار «مجلس التعاون الأمني الفرنسي الروسي». 
موقف ألمانيا 
وفقاً للتقرير الذي أوردته وكالة أنباء دويتش فيله فإنّ المستشارة الألمانية أنجيلاميركل بعد أيام قليلة من حوار ماكرون مع صحيفة الإيكونوميست و أثناء لقائها بالأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في برلين أدلت بتصريح قالت فيه: «لقد كانت عبارات ماكرون لاذعة و لم تكن هناك حاجة لمثل هذه الهجمة. حتى لو كانت عندنا اختلافات و مشاكل فإنّنا مضطرون بعد المناقشات أن نصل إلى تفاهم. الناتو بالنسبة لألمانيا عبارة عن معاهدة أمنية٬ ولطالما اعتقد (الرئيس ماكرون) بضرورة  أن تمسك أوروبا بزمام أمورها و أن تعتمد على نفسها٬ و لكن مع ذلك فإنّ هذه المعاهد ضرورية لأوروبا». و قد طمأنت ميركل الأمين العام لحلف الناتو ستولتنبرغ بأنّ ألمانيا سوف تزيد مساهمتها في نفقات الحلف بمقدار 1.5 في المأة من الناتج المحلي حتى عام 2024 م. كما أوردت صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 م تقريراً تناول سخط ميركل على تصريحات ماكرون حول الناتو. و تابعت الصحيفة بأنّه في الأسبوع الماضي و بمناسبة الحفل الذي أقيم بمناسبة سقوط جدار برلين كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل و بخلاف عادتها تشعر بالغضب أثناء لقائها الثنائي بماكرون. و قالت موجّهة كلامها إلى ماكرون: «أتفهّم رغبتكم في انتهاج سياسة مخالفة للتيار العام الحاكم٬ لكنّي سئمت و أنا أواصل جمع القطع الصغيرة المتكسرة٬ إلى متى أظلّ أجمع حطام الأقداح التي تكسرها و لصق بعضها ببعض لنتمكن بالتالي من أن نشرب فيها قدح شاي». و يستمر التقرير ليكشف من وراء الستار أنّ الكثيرين في الناتو يشاطرون ماكرون رأيه مع ذلك يعتقدون أنّه لا ينبغي الجهر بسخطهم لوسائل الإعلام. 
وفي تقرير لوكالة أنباء سبوتنيك في يوم الثلاثاء 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 م وصفت السيدة «آنا غرت كارين باور» وزيرة الدفاع الألمانية خلال مؤتمر صحفي في برلين حول حلف الناتو وصفت تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون بأنّه حادّ و مبالغ فيه و أضافت: «أعتقد أنّ الناتو حي و فعال كما في السابق٬ و على أعضائه مثل ألمانيا أن يواصلوا مساهمتهم فيه ليواصل نشاطه. كان الناتو و سيظلّ يشكّل حجر الزاوية في الأمن الأوروبي؛ و مع ذلك من الطبيعي أن يكون هناك تباين في آراء أعضائه». 
هذا في حين صرّح وزير الخارجية الألماني هايكوماس في الثامن و العشرين من يونيو/حزيران 2020 م خلال مقابلة مع وكالة أنباء DPA الألمانية قائلاً: «علاقات برلين – واشنطن متوتّرة إلى الحدّ الذي لن تتحسّن حتى لو خسر ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة. لقد ولّت إلى غير رجعة المرحلة الماضية من التعاون الوثيق على ضفتي الأطلسي٬ فحتى لو جاء الديمقراطيون إلى البيت الأبيض من المستبعد أن‌يستطيعوا إحياء تلك الأيام. كل من يعتقد أنّ العلاقات بين ضفتي الأطلسي ستعود مرّة أخرى إلى ما يشبه ما كانت عليه العلاقات بين أوروبا و الولايات المتحدة في عهد الرؤساء الديمقراطيين إنّما هو يقلّل من شأن التحولات البنيوية التي حصلت. العلاقات عبر الأطلسي مهمة للغاية و ستظلّ كذلك٬ لذلك نحن نسعى لديمومتها٬ لكنّ هذه العلاقات بشكلها الحالي لن تلبّي طموحات الطرفين. طبعاً برلين ليست مستعدة في الوقت الحاضر أن تتخلّى تماماً عن اتحادها القديم مع واشنطن».
هذا٬ و قد كتب بيتر باير Peter Beyer منسق العلاقات عبر الأطلسي في الحكومة الألمانية  قبل أيام في حزيران 2020 م مقالة في صحيفة Handelsbalatt الألمانية مقالاً جاء فيه: «ستظلّ الولايات المتحدة قوة عظمى٬ و هذا ليس زعماً من وحي النوستالجيا عبر الأطلسي٬ بل تعضده خمسة أدلة:
 1. إنّ الولايات المتحدة هي أكبر قوة عسكرية في العالم و بفارق كبير عن البقية٬ و هي تقف إلى جانب سائر حلفائها الأقوياء في الناتو. و هم جميعاً سيكون لهم حضور في جميع أرجاء العالم. 2. سوف تظلّ الولايات المتحدة قوة اقتصادية عظمى في العالم لما تملكه من سوق عظيمة للأوراق المالية و مصارف كبرى و شركاتها العالمية. 3. تمتلك الولايات المتحدة مؤسسات قوية و عريقة٬ و يتوضّح ذلك من نشاطات الولايات و التنوّع في الميديا. كلّها تساعد على ترسيخ الداخل الأمريكي. 4. الولايات المتحدة قوة علمية عظمى حديثة. فجامعاتها هي من أرقى الجامعات في العالم. معظم جوائز نوبل يحصل عليها علماء أمريكان. 5. الذين يزعمون بأنّ الولايات المتحدة دولة فاشلة يتغافلون عن قوة الأمريكيين و مواهبهم الخلاقة٬ و يستصغرون قدرتهم على إعادة إنتاج إيمانهم بمستقبل أفضل (حتى بعد العمل الفظيع الذي وقع أعني حادثة القتل المروعة لجورج فلويد). علينا أن نتخيّل كيف سيكون شكل العالم بدون الدعم الأمني الأمريكي؟ ربّما تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى كرة تتقاذفها الأنظمة العظمى المعادية للغرب٬  من جهة تهدّده روسية على الصعيد العسكري و  من جهة أخرى الصين على الصعيد السياسي. إذن٬ فأوروبا بحاجة إلى الولايات المتحدة٬ و في المقابل٬ فإنّ الأخيرة بحاجة إلى أوروبا أيضاً. و الأهم من كل ذلك إنّنا في سباق محموم مع الصين٬ و ليس هذا سوى للدفاع عن قيمنا و حقوق الإنسان و الحرية و الرفاهية». 
ابتداءً من الأول يوليو/تموز 2020 م أصبحت ألمانيا الرئيسة الدورية للاتحاد الأوروبي. في مايو/ آيار 2020 م ألقت أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية كلمة في مؤسسة «كونراد آدناور» التابع للحزب الديمقراطي المسيحي جاء فيها: «إنّني أجد في رئاستنا للاتحاد الأوروبي فرصة لتنمية أكبر لأوروبا كقوة عظيمة و منسجمة و متكاملة. مسألة علاقات أوروبا بالصين سوف تتصدر جدول أولوياتنا على صعيد السياسة الخارجية خلال ترؤسنا للاتحاد الأوروبي. طبعاً الركن الأصلي و الأساسي في السياسة الخارجية و الأمنية للاتحاد الأوروبي سيكون التعاون الأشمل عبر الأطلسي أي العلاقات مع الولايات المتحدة و الناتو. أعلم بأنّ ظروف التعاون مع الولايات المتحدة أصبحت أسوء ممّا كنّا نطمح إليه. و لكن من مصلحة كرامتنا الوطنية و تجسيداً لرغبة أوروبا أن نحافظ على علاقاتنا مع الولايات المتحدة و نعزّزها. في حال أرادت أوروبا أن تحافظ على نفسها و قيمها في هذا العالم فلا سبيل لتحقيق ذلك إلّا عبر الإمساك بزمام مصيرها و أن يكون لها شريك موثوق في المجتمع الغربي». 
كما نقلت وكالة رويترز للأنباء في 26 نيسان/ إبريل 2020 م عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قولها «إنّ محور رئاسة برلين للاتحاد الأوروبي سيتأثّر بمسألة محاربة كورونا و نتائج ذلك٬ و ألمانيا بصدد تعزيز نظام فاعل للسلامة في جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي». و من جهة أخرى٬ نقلت صحيفة باساير نويه برسه الألمانية عن ستيفان زايبرت الناطق باسم الحكومة الفدرالية الألمانية قوله «إنّ أولوية الرئاسة الدورية الألمانية للاتحاد هي القضاء على كورونا». 
كما نقلت وكالة دويتشه فيله للأنباء في الأول من يونيو/ حزيران 2020 م عن وزير الخارجية الألماني هايكوماس عدم رغبة بلاده في زيادة التوتّر التجاري بين الولايات المتحدة و الصين. فلا يقوى العالم على الانقسام بين قطبين للمصالح المتضادة٬ و خاصة الأوروبيون٬ فلا مصلحة لهم في أن يدخل تناقض المصالح بين الولايات المتحدة و الصين في طريق مسدود». و لا بدّ أن نلفت الانتباه إلى نقطة و هي أنّ أهم المحاور التي تثير التوتّر في العلاقات الراهنة بين ألمانيا و الولايات المتحدة هي: 
۱.الاختلاف حول مساهمة ألمانيا في نفقات الناتو و التي تبلغ 2 في المأة من الناتج المحلي GDP لألمانيا. 2. يتّهم ترامب ألمانيا بأنّها أصبحت أسيرة بأيدي الروس بسبب مشروع مدّ خط أنابيب الغاز «نورد ستريم2». 3. في السنة الماضية زادت الولايات المتحدة التعرفة الجمركية المفروضة على واردات الفولاذ بمقدار 25 في المأة٬ و الألمنيوم بمقدار 10 في المأة من الاتحاد الأوروبي٬ و هو الإجراء الذي ترك تأثيراً كبيراً على الصناعات الألمانية. 4. و كذلك إعلان ترامب تخفيض عديد القوات الأمريكية في ألمانيا.
هذا في حين أنّ وزير الخارجية الألماني هايكوماس كتب في مقالة نشرت في الموقع التحليلي لمجلة شبيغل Spiegel في يوم الأحد 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 م قائلاً: «إنّ انسحاب الولايات المتحدة من شمال سورية من دون أن تأخذ بالاعتبار آراء أقرب حلفائها و الحملة العسكرية التركية على المناطق الكردية في سورية هو الذي دفع ماكرون إلى الحديث عن سخط الناتو». و قد أكّد ماس قائلاً: «بعد 30 سنة من سقوط جدار برلين٬ أصبح المستقبل غير آمن وغير مضمون أكثر من أيّ وقت مضى. لم يعد الأمن قضية الشرق و الغرب فحسب بل موضوع السياسة العالمية٬ و لا فرق بين من يحكم البيت الأبيض. و في موضع آخر من مقاله اعتبر انتقادات ماكرون للناتو خطأً و أنّها بمثابة تدمير لهذا الحلف العسكري. و وصف ماس العلاقة مع الولايات المتحدة بأنّها مهمة و ضرورية بالنسبة لألمانيا و أضاف: «نؤيّد الرئيس ماكرون عندما يتحدّث عن أوروبا مستقلة و قوية. سوف يتحتّم علينا (نحن الألمان) في المستقبل أن نضطلع بمسؤولية أكبر لضمان أمن أوروبا. و لذلك فنحن نقف إلى جانب فرنسا و نعمل بجدّ من أجل خلق أوروبا يعمل أعضاؤها كتفاً بكتف لتوفير الأمن للقارة». 
و عارض ماس فكرة المواجهة بين الناتو و الاتحاد الأوروبي و كتب يقول: «نريد أوروبا مستقلة و قوية٬ و لكن جزءاً من ناتو قوي٬ لا أن يحلّ الاتحاد الأوروبي محل الناتو. حتى لو استطاعت أوروبا في يوم ما أن تدافع عن أمنها٬ علينا أن نواصل دعمنا للناتو. فبدون الولايات المتحدة لن يكون بمقدور لا ألمانيا و لا أوروبا أن تعمل بصورة فاعلة على الدفاع عن نفسها». و اقترح ماس في مقاله: «أن‌يتم استحداث مجلس أوروبي لضمان الأمن و أن تكون بريطانيا أيضاً عضواً فيه على الرغم من البريكست. عندما تستلم ألمانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من 2020 م سوف تقدّم الإطار العام لمجلس الأمن الأوروبي المقترح». بعد صدور هذه التصريحات بيومين عاد هايكوماس ليؤكّد في مؤتمر «مجمع السلام في باريس» في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 م: «يجب أن يكون هناك تعاون بين الدول الأعضاء في الناتو و بين سائر الدول٬ و أن تتمّ مناقشة المشاكل العالقة بحرية».
تصريحات هايكوماس هذه أكّدت أكثر من أيّ وقت مضى على أنّ برلين توصّلت في الظروف الراهنة إلى أنّه لا يمكن لألمانيا أن تكون بمثابة قوة كبيرة في العالم إلّا في إطار اتحاد أوروبي موحّد. تسعى ألمانيا من خلال اضطلاعها بمسؤولياتها أن تلعب دور القائد الذي يحاول إدارة التحولات الأوروبية لا أن يفرض سلطته عليها٬ و أن تُظهر قدرتها من داخل الاتحاد الأوروبي لا من خارجه أو ضدّه٬ الأمر الذي يفسّر طرحها مبادرة مجلس الأمن الأوروبي بمشاركة بريطانيا. في أفضل الحالات٬ ربما ترغب في تحديد خيارات أمريكا في المجال الاقتصادي فقط٬ بشرط٬ طبعاً٬ أن تكون قادرة على ذلك٬ و إلّا على الصعيد الأمني فإنّ دعم ألمانيا للسياسة الدفاعية و الأمنية المشتركة و مبادرة مجلس الأمن الأوروبي هو بمثابة هيكل لنمط من «الأطلسية الجديدة» و التحرّك صوب مواصلة التعاون مع الولايات المتحدة (لا التبعية الكاملة طبعاً) في الناتو٬ و انطلاقاً إلى أفق يبشّر بأوروبا أكثر قوة٬ أو بعبارة أوضح٬ ألمانيا أكثر قوة، من حيث أنّ ألمانيا تحتضن أكبر قاعدة أمريكية في أوروبا بل في العالم (القيادة العسكرية الأمريكية في شتوتغارت٬ و القاعدة الجوية في رامشتاين٬ المركز الطبي العسكري في لندستوهل، قاعدة باتریك هنري  العسكرية في هایدلبرغ و سائر القواعد الأخرى في ألمانيا)٬ لذا يبدو أنّ سياسة عدم المواجهة مع الولايات المتحدة ستبقى إحدى الأركان الأمنية في السياسة الخارجية الألمانية٬ و في تحليلنا للسياسة الأوروبية لهذا البلد فإنّ في الظروف المحتملة ما بعد البريكست في أوروبا٬ ستجد ألمانيا نفسها مضطرّة للعب دور أكثر فعالية ممّا في السابق على صعيد السياسة الخارجية و الأمنية المشتركة لأوروبا.
في الوقت الذي يسجّل تاريخ فرنسا عشرات التجارب من التخلّي عن دورها العسكري في الناتو٬ فإنّ سجل ألمانيا خالٍ من مثل هذه التجارب٬ لذلك لا ترى المستشارة ميركل نفسها في حالة مواجهة مع الناتو. لهذا السبب نلاحظ اختلافاً في طبيعة نظرة المسؤولين الألمان إلى العلاقات عبر الأطلسي و عدم استقرار و اضطراب في اتّخاذ القرار. و هي مسألة كان ترامب على وعي تامّ بها و من هنا كان إصراره على أن يزيد الألمان مساهمتهم في نفقات حلف الناتو إلى 2 في المأة من الناتج المحلي GDP فاستخدم جميع وسائل الضغط التجاري من التهديد بانسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا٬ و فرض العقوبات على مشروع نورد ستريم 2 ... و غير ذلك من وسائل الضغط للحصول على مكاسب أكبر.
3. موقف بريطانيا 
موقف بريطانيا إزاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية كان أكثر تحديداً مقارنةً بفرنسا و ألمانيا. فترامب كان من المناصرين الأشداء لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أخيراً و بعد ماراثون طويل استطاعت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي في 31 يناير/ كانون الثاني 2021 م  . الدعم الصريح الذي قدّمه ترامب لبوريس جونسون كزعيم لحزب المحافظين أثناء الانتخابات التشريعية في بريطانيا و ما بعد ذلك عندما تبوّء منصب رئيس وزراء بريطانيا كان له الأثر الكبير في تغيّر مواقف بريطانيا إزاء ترامب في عهد جونسون٬ فلم تعكّر صفو علاقتهما خلافات تذكر. و لكن بصورة عامة فإنّ بريطانيا بعد البريكست و في غياب شركائها الأوروبيين وضعت في صدر أولوياتها خيار التقارب مع الولايات المتحدة من أجل ملء الفراغ الأمني و كذلك ردم الهوة التجارية التي ستنجم على إثر خروجها من الاتحاد الأوروبي. من هذه الزاوية لا بدّ أن نقول بأنّ بريطانيا تضع مسألة التحالف الأوثق مع الولايات المتحدة كأولوية قصوى بغض النظر عمّن سيجلس في البيت الأبيض في السنوات الأربع القادمة٬ ذلك أنّ رؤيتها بالنسبة للعلاقات مع أمريكا هي طويلة الأمد٬ ممّا يعني أنّ فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية لن يترك تأثيراً ملموساً على جوهر السياسة البريطانية٬ و هذا البلد هو في وضع يهيّئ نفسه للتكيّف بسرعة مع التغييرات المحتملة في الولايات المتحدة. 
ومع ذلك فإنّ الساسة في لندن يرجّحون ألّا يقحموا أنفسهم بشكل مباشر في الصراع و الجدال الدائر بشأن سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 م. طبعاً لا بدّ أن نأخذ ملاحظة بعين الاعتبار و هي أنّ بريطانيا طيلة الأشهر الماضية كان لها أسوء سجل من بين جميع الدول الأوروبية فيما يتعلّق بتعاطيها مع أزمة جائحة كورونا٬ و قد جلبت هذه السياسة سيلاً من الاتهامات الموجّهة ضدّ حكومة بوريس جونسون٬ من هنا فإنّ هذا الأخير في ظلّ الأوضاع الراهنة ليس لديه رغبة بفتح ملفات جديدة في السياسة الخارجية.
4. ما هي مقاربة المفوضية الأوروبية في دورتها الجديدة؟
يتّسم دور المفوضية الأوروبية و نظرتها بوصفها الذراع التنفيذي للاتحاد في علاقاتها الخارجية بقدر كبير من الأهمية. و يبدو أنّ هذا الدور قد توسّع في الفترة الأخيرة خصوصاً بعد انتخاب بوريل كمسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي٬ على الرغم من أنّه أقل استقلالية مقارنةً بالسيدة فريديريكا موغيريني.  و قد صرّحت السيدة «اورسولا فون درلاین » وزیرة الدفاع الألمانية السابقة و الرئيسة الحالية للمفوضية الأوروبية في يوم السبت 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 م خلال مؤتمر حول موضوع «الحكومة الاتحادية الأوروبية» في مؤسسة «كونراد أديناور» ببرلین بأنّ القوة الناعمة في العصر الراهن لوحدها لم تعد كافية٬ و أنّ على الاتحاد أن يلجأ إلى لغة القوة الصلبة أيضاً إذا أراد أن يحقّق أهدافه. لقد أكّدت الوزيرة على وجوب تفعيل القوة الصلبة للاتحاد إلى جانب القوة الناعمة في سياسته الخارجية و الأمنية٬ و قالت «لا بدّ من تقوية عضلات الاتحاد إلى الحدّ الذي نستغني فيه عن الاتكاء على الآخرين في السياسة الأمنية».
 تبيّن هذه التصريحات بأنّ الرئيسة الجديدة للمفوضية الأوروبية تسعى بالتنسيق مع ألمانيا و فرنسا إلى تعزيز القدرة العسكرية لأوروبا و طبعاً من ناحية أخرى نظراً لتجربتها السابقة في التعاون العسكري الوثيق مع الولايات أثناء تصدّيها لمنصب وزارة الدفاع في ألمانيا، يُتوقّع أنّ المفوضية الأوربية ستكون المنفّذ و المقرّر الرئيسي للسياسة الخارجية و الأمنية في الاتحاد الأوروبي٬ و ستحافظ على الرؤية التقليدية المتمثّلة في استمرار العلاقات الأمنية عبر الأطلسي على الرغم من بعض الخلافات التي تشوب هذه العلاقات٬ مع فارق و هو تعزيز محور باريس – برلين٬ و بالتزامن مع ذلك التسريع في ترسيخ و تقوية البنى العسكرية الداخلية و تعزيز عرى الوحدة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي.
 لذا فإنّ المفوضية الأوروبية بوصفها الذراع التنفيذي للاتحاد٬ فإنّها نفسها تتبع سياسة محور باريس - برلين. في الدورة الجديدة من استلام فرنسا و ألمانيا رئاسة الاتحاد يبدو أنّ دور الخدمات الخارجية في الاتحاد الأوروبي تحت مسؤولية السيد جوزيب بورل قد تضاءل مقارنة عمّا كان عليه في السابق و أصبح على الهامش٬ و أنّ فرنسا و ألمانيا هما المتحكّمتان بالمفوضية و تجرّان بقية الأعضاء خلفهما٬ عدا الموضوع النووي الإيراني حيث ينسقان مع بريطانيا في إصدار البيانات تحت عنوان E3.
5. أهم مجالات الخلاف بين أوروبا و الولايات المتحدة أثناء ولاية الرئيس ترامب
1-موضوع الناتو و تواجد القوات العسكرية الأمريكية في أوروبا: لقد سعى ترامب من خلال تبنّيه سياسة مركّبة تجارية أمنية إلى خفض المساهمة المالية للولايات المتحدة في الناتو٬ و تحميل أوروبا هذه النفقات. و قد استجابت دول أوروبا الشرقية لمطالبات ترامب مدفوعة بالهواجس الأمنية التي تساورها إزاء روسية٬ أمّا فرنسا و ألمانيا فقد اعتبرتا هذه السياسة إضعافاً للروابط الأمنية التقليدية عبر الأطلسي٬ و لكن على الرغم من جميع مآخذهما على سياسات إدارة ترامب٬ فهما ضمن استراتيجيتهما الأمنية الكلية غير مستعدّتين في النهاية لإضعاف الناتو. و قد أثار إعلان ترامب سحب القوات الأمريكية من ألمانيا موجة من الانتقادات في داخل ألمانيا و الولايات المتحدة إزاء سياسة ترامب كما أثار بعض الحساسيات و الهواجس في صفوف حلفاء أمريكا في أوروبا الشرقية أيضاً. و على الرغم ممّا قيل فإنّ قسماً كبيراً من هذه القوات سيبقى في بولندا و بلجيكا٬ و لكن مع ذلك لم يقلّل ذلك من الحساسيات و المخاوف التي أثيرت.
2- خروج الولايات المتحدة من المعاهدات و المنظمات الدولية: إنّ خروج ترامب من منظمة الصحة العالمية٬ و من معاهدة التغيير المناخي في باريس٬ و معاهدة تجارة الأسلحة٬ و الخروج من معاهدة الأجواء المفتوحة  و التهديد بالخروج من منظمة التجارة العالمية٬ و أخيراً مواقف أوروبا في مجلس الأمن و عدم مواكبتها للإجراءات الأحادية للولايات المتحدة فيما يتعلق بقرار مجلس الأمن المرقم 2231 و اللجوء إلى آلية «الزناد» و كذلك مخالفتها لتمديد حظر السلاح على إيران٬ كل هذه المواقف بيّنت عمق الخلافات القائمة بين ضفتي الأطلسي٬ حيث يعتقد بعض المحلّلين أنّ استمرارها سيؤدّي إلى بروز شرخ عميق في مجلس الأمن و سائر أركان منظمة الأمم المتحدة أيضاً.
3- التجارة: إنّ سياسات ترامب الحمائية المتطرّفة في مجال التجارة و تبعاً لذلك التعرفة الجمركية العالية التي فرضها على السلع الأوروبية قد تسبّبت ببروز خلافات تجارية عميقة بين ضفتي الأطلسي. طبعاً في المقابل ردّت الدول الأوروبية مثل فرنسا على هذه الإجراءات عبر فرضها ضرائب عالية على الشركات الأمريكية. و طبعاً هذه الحرب التجارية بين أوروبا و الولايات المتحدة كانت ستستمر لو كان ترامب قد أعيد انتخابه لولاية ثانية.
تقييم لنظرة أوروبا إزاء الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 
من خلال نظرة إلى تاريخ العلاقات بين أوروبا و الولايات المتحدة يتبيّن لنا أنّ الطرفين كانا على وئام أكبر و تعاون أوثق في مختلف المجالات خلال فترات تولّي الرؤساء الديمقراطيين المسؤولية في البيت الأبيض٬ و لكن مع ذلك ينبغي أن نضع في حسباننا نقطتين لمعرفة طبيعة العلاقة بين الطرفين في الوقت الراهن:
 1- كما أشار هايكوماس وزير الخارجية الألماني صراحةً٬ من السذاجة أن نتصور أنّه بمجرّد ذهاب ترامب من البيت الأبيض ستعود العلاقات بين الطرفين إلى سابق عهدها. بعبارة أخرى٬ أيّ تقييم لآفاق العلاقة بين ضفتي الأطلسي لا بدّ أن يأخذ بالاعتبار العواقب و الآثار طويلة الأمد للتحديات و الخلافات القائمة بين الطرفين في عهد ترامب.
 2- إنّ أوضاع الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر مغايرة تماماً لما كانت عليه في مرحلة ما قبل 2016 م (بداية ولاية الرئيس ترامب). فالاتحاد الأوروبي اليوم يواجه تحديات خطيرة مثل البريكست و تنامي التيارات اليمينية المتطرّفة٬ و أزمة كورونا٬ و اتساع التيار القومي و تفكك عرى الوحدة الأوروبية بالإضافة إلى القضايا المالية و الميزانية التي تزيد من هوّة الخلافات بين أعضاء الاتحاد في غربه و شرقه و جنوبه. فمن ناحية يجب الانتباه إلى أنّ أداء إدارة الرئيس ترامب قد زرع بذور اختلاف كبير في المواقف إزاء العلاقات عبر الأطلسي بين الأحزاب و النخب السياسية و الاجتماعية في ألمانيا و فرنسا بوصفهما القوتين الرائدتين في مجال السياسة الخارجية و الأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي (في غياب بريطانيا)، و تبدو هذه الحقيقة جلية في تصريحات ماكرون و هايكوماس و بدرجة أقل عند بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل و كذلك في السنوات الأخيرة عند تنظيم الحلف الأوروبي الدفاعي المشترك (PESCO) الذي وقعت عليه 25 دولة عضو في الاتحاد (عدا الدنمارك و مالطا و بريطانيا). 
في الظروف الراهنة تسعى فرنسا في غياب بريطانيا و عدم رغبة ألمانيا الإمساك بزمام القيادة السياسية لأوروبا. و بالنسبة لألمانيا فإنّها من ناحية تواجه جملة من الآمال المعقودة عليها لقيادة أوروبا في ظلّ الأوضاع القائمة٬ و من ناحية ثانية لم تكن لديها تجربة الابتعاد عن الناتو الأمر الذي يفسّر اضطرابها في اتّخاذ القرار المناسب إزاء السياسات الأخيرة لترامب. فألمانيا تعتبر التنسيق مع فرنسا من أجل الدفع بمشروع الوحدة الأوروبية ضرورياً٬ كما أنّها و على الرغم من انتقاداتها لإدارة ترامب٬ لن تتحرك بمفردها من أجل قطع العلاقات الأمنية عبر الأطلسي. طبعاً لاينبغي أن نغضّ الطرف عن مسألة مهمة و هي أنّ الروابط التقليدية الأمنية عبر الأطلسي تبلورت على مدى سنين طوال و منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية٬ و إذا كانت الرؤى قد تغيّرت في واشنطن فالساسة في بروكسل (بقيادة برلين – باريس) و على الرغم من كلّ الخلافات٬ على استعداد في التفكير مجدداً لترميم هذه العلاقات إلى أقصى مدياتها. من هنا فإنّ فوز الديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية و إن كان من الصعوبة٬ أغلب الظنّ٬ أن نشهد ردم الهوة التي حدثت في العلاقة بين الطرفين في عهد ترامب بين ليلة وضحاها٬ إلّا أنّها ستكون نقطة البداية من أجل ترميم جاد لتلك الهوة من قبل الطرفين٬ و سوف نشهد على مرّ الوقت محاولات على ضفتي الأطلسي لإعادة اللحمة و الوحدة أكثر من أيّ وقت مضى في قضايا الأمن الدولي. لذا٬ لو نظرنا إلى الموضوع من جميع الزوايا المذكورة٬ لاستنتجنا بأنّ الزعماء الأوروبيين كانوا يعدّون اللحظات لفوز بايدن في الانتخابات في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني.


(الحاشية)
1.1-INSTITUT  DE  RELATIONS INTERNATIONALES ET  STRATEGIQUES
2. -European Defence Fund


قراءة: 84