فصلنامه مطالعات سیاست خارجی تهران
 

النظام الإقليمي لمنطقة غرب آسيا؛ دراسة المواجهة الاستراتيجية بين محور المقاومة و الولايات المتحدة بهدف إقامة النظام المنشود

مهدي هنرمند زاده
الخبير في شؤون غرب آسيا
يونس كوليوند
المتخصص في شؤون منطقة بلاد الشام
الخلاصة
تشير التطورات التاريخية في منطقة غرب آسيا خلال المأة عام الماضية إلى أن القوى الدولية لطالما سعت إلى إيجاد نظام إقليمي مناسب لها من أجل بسط نفوذها على المنطقة. مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران ظهر في منطقة غرب آسيا تدريجياً في السنوات الأخيرة من عقد الثمانينات نهج و فكر جديد ألا و هو فكر و نهج المقاومة، محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران بدعوته إلى العدالة و مقارعة الهيمنة و الاستكبار لم‌يتقبل يوماً النظام الدولي الليبرالي الموجود و اعتبر أن الوضع الموجود يقوم على أساس غير عادل، و قد تمكن فكر و نهج المقاومة تدريجيا من أن يثبّت نفسه في المنطقة كفكر و نهج مضاد لفكر و نهج عالم الهيمنة. من حيث أن أهم عنصر في النظام الذي يريده عالم الهيمنة في المنطقة هو الحفاظ على أمن إسرائيل؛ فإن قضية فلسطين و تحرير القدس أصبحا العنصر الرئيسي للنظام الذي تريده المقاومة في المنطقة. منذ بداية الثورة الإسلامية شهدت المواجهة بين الاستراتيجيتين و النظامين الإقليميين لكل من محور المقاومة و الولايات المتحدة الكثير من حالات المد و الجزر و لكن النتيجة العامة للمواجهات الخفية و العلنية الكثيرة بين الطرفين كالحرب المفروضة و حرب الـ33 يوماً و حرب الـ22 يوماً و الصحوة الإسلامية و أزمة الدولة الإسلامية في العراق و سوريا و الحرب الأخيرة على غزة تشير إلى تقدم و اتساع نطاق النظام الذي تريده المقاومة في منطقة غرب آسيا. هذه الأحداث و التطورات أدت إلى تعززنظام إقليمي يتمحور حول لاعبين إقليميين و يكون لصالح محور المقاومة و ذلك للمرة الأولى. يسعى هذا التحقيق من خلال التمهيد النظري لمفهوم النظام الإقليمي إلى دراسة الوضع القائم مع بيان سير تطور النظام السائد في منطقة غرب آسيا في الزمن المعاصر.
 
الكلمات الأساسية:
النظام الإقليمي، محور المقاومة، أمريكا، القضية الفلسطينية
المقدمة
دراسة النظام الإقليمي1  و دراسة النظام الدولي2  ترتبطان ببعضهما بحيث لا يمكن دراسة أحدهما من دون النظر إلى الآخر، فالنظام الدولي يتغير بتأثير من عوامل مختلفة و له تأثير نسبي على النظام الإقليمي، ومن هذا المنطلق فإن النظام الإقليمي لمنطقة غرب آسيا لا ينفصل عن النظام الدولي السائد. تعتبر منطقة غرب آسيا حلقة وصل بين ثلاث قارات هي أفريقيا و آسيا و أوروبا، و علاوة على موقعها الجغرافي المهم فإن وجود طرق مواصلات دولية فيها قد أدى إلى زيادة طمع القوى الدولية في أن يكون لهم نفوذ فيها، فمضيقي البوسفور و الدردنيل في تركيا و قناة السويس في مصر و مضيق هرمز في إيران و مضيق باب المندب في اليمن و الخليج الفارسي الفارسي و خليج عدن و غيرها، كلها زادت من الوزن الجيوسياسي لمنطقة غرب آسيا. يُظهر النظر إلى التطورات التاريخية خلال المأة عام الماضية بأن القوى الدولية سعت مراراً لإقامة نظام إقليمي مناسب لها من أجل بسط نفوذها في المنطقة، فقد سعي الروس للوصول إلى المياه الدولية و السيطرة على المضائق الحيوية لتركيا، و هناك الاستعمار البريطاني الذي امتد لفترة طويلة، و أيضاً نفوذ الفرنسيين في بلاد الشام، و أخيراً الحضور الأمريكي في غرب‌آسيا بعد الحرب العالمية الثانية، كل ذلك لم يجلب الاستقرار لشعوب المنطقة بل أنه كان سبباً لإيجاد حالة من عدم الاستقرار فيها.
شهدت منطقة غرب آسيا أنظمة مختلفة، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية و حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في عقد التسعينات ساد النظام ثنائي القطب في العالم، و في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي سعت الولايات المتحدة لتقديم نفسها في النظام الدولي الطبقاتي على أنها القوة الأعظم في العالم و لإعمال النظام الذي تريده في مناطق مختلفة من العالم و من بينها منطقة غرب آسيا. إن أهم أساس لنظام أمريكا في منطقة غرب آسيا هو الحفاظ على أمن إسرائيل، و في هذا النظام تجب الحيلولة دون الحضور الفعال للاعبين مؤثرين آخرين من داخل أو خارج المنطقة و أن يكون الغرب هو الطرف الوحيد الذي يحدد النظام الأمني الحاكم في المنطقة، فاللاعبون الإقليميون المؤثرون لديهم تأثير محدود جداً على هذا النظام الأمني و أغلبهم يعمل كمنفذ للسياسات الأمريكية المبنية على الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني.
في السنوات الأخيرة من عقد الثمانينات و مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران تشكل بشكل تدريجي في منطقة غرب آسيا نهج جديد هو نهج المقاومة. محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران بدعوته إلى العدالة و مقارعة الهيمنة و الاستكبار لم يتقبل يوماً النظام الدولي الليبرالي الموجود و علاوة على البعد النظري و المبادئ فقد تحدى محور المقاومة هذا النظام بشكل عملي أيضاً.  مقولة3 و نهج المقاومة يعتبر أن الوضع الموجود يقوم على أساس غير عادل و من هذا المنطلق و بالاتكاء على مبادئه و أفكاره العالمية و كذلك على الدول و الشعوب التي تنشد تغيير الوضع القائم سواء على مستوى المنطقة أو خارجها، يسعى هذا النهج إلى إصلاح النظام الدولي الموجود و إقامة النظام الدولي الذي ينشده. مقولة و فكر المقاومة تمكن من يرسخ نفسه في المنطقة كمضاد لفكر و نهج عالم الهيمنة، و من حيث أن أهم عنصر في النظام الذي يريده عالم الهيمنة في المنطقة هو الحفاظ على أمن إسرائيل؛ فإن قضية فلسطين و تحرير القدس أصبحا العنصر الرئيسي للنظام الذي تريده المقاومة في المنطقة. هذا المبدأ و التوجه الاستراتيجي للمقاومة منذ الأيام الأولى بعد انتصار الثورة الإسلامية تمكن من إخراج العالم العربي من مسار التطبيع مع إسرائيل و الذي تشكل مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام4 من قبل الرئيس المصري وقتها أنور السادات. منذ بداية الثورة الإسلامية شهدت المواجهة بين الاستراتيجيتين و النظامين الإقليميين لكل من محور المقاومة و الولايات المتحدة الكثير من حالات المد و الجزر و لكن النتيجة العامة للمواجهات الخفية و العلنية الكثيرة بين الطرفين كالحرب المفروضة و حرب الـ33 يوماً و حرب الـ22 يوماً و الصحوة الإسلامية و أزمة الدولة الإسلامية في العراق و سوريا و الحرب الأخيرة على غزة تشير إلى تقدم و اتساع نطاق النظام الذي تريده المقاومة في منطقة غرب آسيا. في خضم ذلك دخلت هذه المواجهة الاستراتيجية مرحلة جديدة مع تشكل الصحوة الإسلامية في عام 2011، فمع بداية التطورات و الثورات في العالم العربي منذ عام 2011 صارت العلامات على تغيير النظام الأمريكي في منطقة غرب آسيا تُرى بشكل أوضح. هذه الأحداث و التطورات أدت و للمرة الأولى إلى تعززنظام إقليمي يتمحور حول لاعبين إقليميين و يكون لصالح محور المقاومة، و قد تعزز هذا التفوق الاسترتيجي أكثر مع انتصارات محور المقاومة في أزمة ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق و سوريا، و من ناحية أخرى فإن دائرة محور المقاومة قداتسعت مع التطورات في اليمن و دخل الكيان الصهيوني في مرحلة الخطر الوجودي بعد أن‌كان في مرحلة الخطر الأمني. كانت نتيجة هذه الظروف ظهور تشكلات إقليمية جديدة و تعزيز مشروع التطبيع. يسعى هذا البحث من خلال التمهيد النظري لمفهوم النظام الإقليمي إلى دراسة الوضع القائم مع بيان سير تطور النظام السائد في منطقة غرب آسيا في الزمن المعاصر. 
 التمهيد النظري لمفهوم النظام الإقليمي
 إحدى المقاربات التطبيقية في الدراسات الإقليمية هي طريقة إدارة الصراع5  في المناطق المختلفة و التي يعبر عنها بالنظام الإقليمي. خصائص هذا النظام في كل منطقة يمكن أن‌تكون مختلفة أو متشابهة (ليك و مورغان 21:1381). في هذه المقاربة يمكن أن يكون النظام الإقليمي مختلفاً عن النظام العالمي، و هذه الصفة تتلاءم أكثر من أي شئ آخر مع النظام الإقليمي الذي هو في طور التشكل و الظهور في منطقة غرب آسيا، بعبارة أخرى فإن النظام الإقليمي الجديد لمنطقة غرب آسيا لن يكون متطابقاً مع النظام العالمي السائد، وقد يكون على المدى الطويل سبباً لتغيير ذلك النظام. في حين أن النظام الدولي الحالي هو نظام أحادي القطب6 و علماني و يقوم على أساس المصالح، فإن النظام الذي يتشكل في منطقة غرب آسيا هو نظام متعدد الأقطاب7 وإسلامي التوجه و يقوم على أساس الهوية. على هذا الأساس فإن الأنظمة الأمنية الإقليمية أو الأنظمة الإقليمية هي النماذج السائدة للإدارة الأمنية داخل مجموعات أمنية إقليمية و يمكن تحديد نماذجها المختلفة تبعاً لأنماط العداوة و الصداقة في المناطق المختلفة من العالم.
نماذج الأنظمة الإقليمية
كما ذكرنا سابقاً فإن النظام الإقليمي في الواقع هو النموذج السائد للإدارة الأمنية داخل مجموعات أمنية إقليمية. هناك أنواع مختلفة قد ذكرت لهذه النماذج و لكن يمكن تمييز و تحديد ثلاثة أنواع عامة منها و هي نموذج توازن القوى8 و نموذج اتفاق القوى الكبرى9 و نموذج الإدارة الجماعية متعددة الأطراف10 . نموذج توازن القوى هو نفس السياسة الدولية التقليدية التي تُترجم في إطار "استخدام القوة من أجل احتواء القوة". في المنطقة التي يسود فيها نموذج كهذا فإن الدول عادة تنشد تحقيق الأمن من خلال إيجاد و حفظ توزيع مناسب و مستقر للقوة، و هذا التوزيع للقوة يمكن أن يكون من حيث ماهيته أحادي القطب أو تسلطي يقوم على أساس الهيمنة11 ، أو ثنائي القطب12 أو متعدد الأقطاب، و يتم تحليل النزاعات بين الدول على هذا الأساس، و في هذا الصدد يمكن اعتبار المجموعة الأمنية لغرب آسيا أفضل و أبرز نموذج لذلك (مورغان 57:1381). في نموذج اتفاق القوى الكبرى يكون أمن المنطقة مسؤولية جماعية للدول الأقوى في المجموعة الأمنية و التي تجد إقداماتها الشرعية من خلال توفير النظام و الأمن بشكل يخدم المصلحة العامة13. هذه الدول تتقبل المصالح الحيوية14 و الحق في المشاركة لبعضها و تنظم سياستها الخارجية على هذا الأساس، بناء على ذلك فإن كل مجموعة من القوى الكبرى تساهم في تحقيق الأمن الإقليمي بطريقتين، الأولى هي إرادتها لإدارة و فض النزاعات، و الثانية من خلال إيجاد آلية للتعاون يتم من خلالها التعامل مع مختلف المسائل الأمنية (مورغان، 59:1381). في إطار نموذج الإدارة الجماعية متعددة الأطراف فإنه عندما يقدّم أعضاء مجموعة أمنية إقليمية أنفسهم كتجمع من أجل إدارة السلام و الأمن فإن إدارة هذه الأمور هنا لا تعود حقاً خاصاً و امتيازاً للدول الرئيسية و الكبرى و ما تُقدم عليه هذه الدول يجب أن يحظى بالتوافق و التأييد الجماعي أيضاً. هذه النوع من الإدارة ينفذ في الغالب في إطار المؤسسات الإقليمية من أجل تحقق و توسيع كشف الحقائق و التوسط لحل الخلافات و التصالح و حفظ السلام و أيضاً من أجل وضع أنظمة للإشراف على الأحداث و التطورات الخطيرة أو توسيع السيطرة على التسلح و غيرها من القيود. الغاية من الأمن الجماعي هو الأمن الجماعي الويلسوني الذي يتم فيه تحقيق السلام بصورة جماعية و كذلك من خلال الأعمال العقابية إذا لزم الأمر (مورغان، 60:1381).
المجموعة الأمنية لمنطقة غرب آسيا51 
شكلت نهاية الحرب الباردة16 فرصة جديدة لتوسيع نطاق الدراسات الأمنية خارج إطار المواجهة بين القوتين العظميين و تركت تأثيراً كبيراً على مُجمل النموذج الأمني الدولي من الناحية النظرية. من بين المدارس استطاعت تقديم رؤية مختلفة في مجال الدراسات الأمنية بعد الحرب الباردة مدرسة كبنهاغن17 و وجهها المعروف بوزان18 الذي قدم نظرية المجموعة الأمنية الإقليمية.
منطقة غرب آسيا هي من المناطق التي تكون فيها السمة الغالبة هي النزاع و الصراع و ليس التعاون و التفاهم. يمكن اعتبار تاريخ بداية المجموعة الأمنية لغرب آسيا هو فترة التخلص من الاستعمار بين عامي 1945 و 1948 حيث ظهر عدد من الدول المستقلة (بوزان و ويفر 102:1388)، و في الواقع فإن أهم حدث أساسي وقع في المجموعة الأمنية لغرب آسيا هو قيام الكيان الصهيوني في عام 1948 و ما تلا ذلك من أحداث حيث هاجمت الجيوش العربية لمصر و سوريا و الأردن و العراق إسرائيل. في ما يلي سيتم بحث خصائص المجموعة الأمنية من زوايا مختلفة.
العلاقات بين المجموعات الفرعية في المجموعة الأمنية لغرب آسيا تشمل ثلاث مجموعات، اثنتان منهما أصلية هي مجموعة الشام  و مجموعة الخليج الفارسي الفرعيتين، و مجموعة فرعية أضعف في الغرب. المجموعة الفرعية في الشام تقع شرق البحر الأبيض المتوسط حيث يتركز الصراع العربي الإسرائيلي و تشتمل على الكيان الصهيوني و جيرانه العرب و هم مصر و سوريا و لبنان و الأردن و حركات مثل منظمة التحرير الفلسطينية و حزب الله. علاوة على الدول في مجموعة الشام الفرعية فإن دولاً أخرى في مجموعتي الخليج الفارسي و المغرب الفرعيتين قد انخرطت بشدة في الصراع العربي الإسرائيلي و من بينها العراق و إيران و السعودية و الكويت و ليبيا و تونس (Weaver & Buzan, 190-1:2003). المجموعة الفرعية الثانية هي مجموعة الخليج الفارسي و التي تشكلت بعد خروج بريطانيا من المنطقة في عام 1971، و قد كانت أول حركة بعد تشكيل هذه المجموعة الفرعية هي طرح ادعاء الإمارات بخصوص الجزر الإيرانية الثلاث عام 1971. السمة الأساسية للخلاف داخل هذه المجموعة هي المنافسة بين الجمهورية الإسلامية في إيران و العراق و دول الخليج الفارسي و هي السعودية و الكويت و البحرين و قطر و الإمارات العربية المتحدة وعمان و التي تقودها السعودية. على الرغم من وجود نشاطات أمنية مستقلة لمجموعتي الشام و الخليج الفارسي الفرعيتين فإن القرب الجغرافي أدى إلى وجود العديد من المسائل المشتركة بينهما و ساعد على ارتباط العناصر الأمنية لهاتين المجموعتين (Weaver & Buzan, 2003:91)، و من بين تلك المسائل يمكن الإشارة إلى القضية الفلسطينية و كذلك الأزمة الحالية في سوريا. المجموعة الثالثة التي تشكلت من النشاطات و التفاعلات الأمنية بين ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب و الشاد و الصحراء الغربية هي الأضعف بين المجموعات الفرعية الثلاث من حيث التعاملات الأمنية، و هي مبنية في الأساس على عدد من العلاقات المتغيرة و الهشة بين ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب و الصحراء الغربية. على الرغم من ذلك فإن دول المغرب قد انخرطت بشكل كاف في الصراع العربي الإسرائيلي و في صراعات منطقة الخليج الفارسي  (Weaver & Buzan, 191-2:2003). يعتبر بعض المحللين القرن الأفريقي المجموعة الفرعية الرابعة للمجموعة الأمنية لغرب آسيا. دول الصومال و جيبوتي و السودان كلها اعضاء في جامعة الدول العربية و لكن النموذج الدائم للنزاع و التدخلات العدائية فيما بينها يربطها بإثيوبيا و إريتيريا و أحياناً مصر، و هذا الارتباط الموضوعي جعل أكثر الخبراء يعتبرون هذه المجموعة الفرعية مستقلة عن غرب آسيا (بوزان و ويفر، 102-103:1388).
مسار تطور النظام الإقليمي لمنطقة غرب آسيا، ثنائية القطب في فترة الحرب الباردة
تسمية الحرب الباردة تطلق على الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية و التي اتسمت بالتنافس و الصراع الجيوسياسي بين الاتحاد السوفييتي و حلفاءه (الكتلة الشرقية) و الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها (الكتلة الغربية)، بشكل عام فإن الحرب الباردة امتدت من العام 1947 مع إعلان مبدأ ترومان و حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991. تم وصف هذه الحرب بالباردة لأنه لم تقع خلالها أية مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات الأمريكية و السوفييتية و لكن توسع القدرات العسكرية للطرفين و الصراعات السياسية بينهما أدت إلى نشوء حروب بالوكالة و مواجهات مهمة بين الدول التابعة و المتحالفة مع هاتين القوتين العظميين. تعود جذور الحرب الباردة إلى انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية و انتهاء التحالف المؤقت بين أمريكا و الاتحاد السوفييتي ضد ألمانيا النازية و ما تبع ذلك من مواجهة آيديولوجية و جيوسياسية بين الطرفين من أجل بسط نفوذهما في العالم (Sempa, 2017).
أدى الخوف من مبدأ التدمير المتبادل إلى أن لا يبدأ أي من الطرفين هجوماً نووياً استباقياً، و باستثناء السباق في مجال التسلح النووي و نشر الطرفين لقواتهما بشكل عادي  و طبيعي لجأ كل من الطرفين إلى طرق أخرى لإثبات تفوقه على الآخر من قبيل الحرب النفسية و حملات الدعاية السياسية و التجسس و العقوبات الاقتصادية الواسعة و التنافس في المسابقات الرياضية و كذلك التنافس في مجال التكنولوجيا مثل المنافسة في مجال الفضاء. كان الغرب في تلك الفترة بقيادة الولايات المتحدة و الدول الحليفة لها و هي في عمومها دول غربية  من العالم الأول و لها أنظمة حكم ليبرالية ديموقراطية، و أيضاً فإن الدول التي كانت مستعمرات سابقة للكتلة الغربية و التي كان لديها غالباً أنظمة حكم استبدادية كانت تشكل الدول الأخرى للمعسكر الغربي. على الطرف الآخر كان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي يسيطر على الدولة و له نفوذ واسع في الدول الحليفة للاتحاد السوفييتي و هي دول العالم الثاني. كانت أمريكا تدعم تغيير الأنظمة و الحركات اليمينية حول العالم، أما الاتحاد السوفييتي فكان داعماً للأحزاب الشيوعية و الثورات اليسارية في أنحاء العالم. استقلت الكثير من المستعمرات السابقة في الفترة ما بين عامي 1945 و 1960 و شكلت مجموعة دول العالم الثالث و الذي صارت السيطرة عليه و بسط النوذ فيه أحد مجالات الصراع الرئيسية بين أمريكا و التحاد السوفييتي.
كان النظام الأمني لمنطقة غرب آسيا في فترة الحرب الباردة عبارة عن نموذج مصغر عن النظام الدولي ثنائي الأقطاب السائد في تلك الأيام و لم يكن هناك لاعب مستقل في المنطقة و كل دولة فيها كانت تنتمي لكتلة معينة. كانت مصر أقوى دول الكتلة الشرقية في المنطقة، فعبد الناصر الذي كان قائد تنظيم الضباط الأحرار انقلب في عام 1952 على الملك فاروق ملك مصر و غير النظام السياسي إلى نظام جمهوري، و في نفس الفترة تمكن ناصر من إقامة الجمهورية العربية المتحدة و ذلك بالاتحاد بين مصر و سوريا على أساس توجهات ثورية و اشتراكية و ذلك في العام 1958. قوة ناصر المتزايدة و خصوصاً بعد الاتحاد بين مصر و سوريا عام 1958 و مواقفه المعادية بشدة للولايات المتحدة جعلت منه تهديداً جدياً للكتلة الغربية و حلفاءها في منطقة غرب آسيا. كانت شعارات جمال عبد الناصر تتعارض كلياً مع السياسة الخارجية و الإقليمية لبهلوي الثاني و تتعارض كذلك بشكل عام مع السياسات الأمريكية في فترة الحرب الباردة، فناصر الذي كان كذلك حليفاً للاتحاد السوفييتي كان يروج للقومية العربية في الدول الإسلامية و العربية مما جعلة يقف في مقابل إيران التي كانت تنتمي للكتلة المعادية للاتحاد السوفييتي و لم تكن تحتمل فكر القومية العربية. كان عبدالناصر وراء انتشار القومية العربية و كان محمد رضا بهلوي قلقاً من هذا الأمر و لذلك قام بمواجهته و أقدم على تعزيز المشاعر الوطنية في إيران و قام في هذا الصدد بالترويج للثقافة و الحضارة الإيرانية القديمة من أجل إضفاء العظمة على نظامه الضعيف و الهش.
بعد الانقلاب في مصر وقع أيضاً انقلاب مشابه في العراق في أواخر الخمسينات قام به عسكريون يساريون بقيادة عبد الكريم قاسم، و قد أدى هذا الانقلاب إلى تغيير نظام الحكم في العراق من ملكي إلى جمهوري. لأسباب مختلفة يمكن اعتبار وصول مجموعات مؤيدة للاتحاد السوفييتي للسلطة في العراق نتيجة لانقلاب عبد الكريم قاسم التحدي و التهديد الأكبر لنظام بهلوي الملكي و لمصالح الولايات المتحدة في منطقة غرب آسيا و الخليج الفارسي. لقد عزز الانقلاب في العراق من حركة القومية العربية و زاد من قلق الشاه، و في تلك الظروف و الأوضاع أقدم نظام الشاه على الاعتراف بإسرائيل بشكل علني، و مع بداية الستينات تحولت إيران إلى أحد أقرب أصدقاء إسرائيل في المنطقة. في لقاء مع الشاه في عام 1963 عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها موشيه دايان عن قلقه من أعمال عبد الناصر قائلا: "إن عبد الناصر مصدر انزعاج لكلينا (إيران و إسرائيل) و إذا ما قمنا بهزه فسيسقط و يصبح كمومياءات مصر" (باقيان، 1392).
مقولة المقاومة و انهيار الاتحاد السوفييتي، الانتقال إلى ثلاثية الأقطاب و التوازن بين القطبين
مع التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد من قبل الرئيس المصري في ذلك الوقت أنور السادات و رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها مناحيم بيجن في تاريخ 17 من سبتمر عام 1987 تغيرت الترتيبات الأمنية في منطقة غرب آسيا لصالح الكتلة الغربية، و من ناحية أخرى بدى و كأن حركة أحجار دومينو التطبيع و السلام بين العرب و إسرائيل سرعان ما ستبدأ مع هذا الاتفاق الذي كان أول اتفاقية سلام بين طرفين من الحرب العربية مع إسرائيل ومع المكانة التي تحظى بها مصر في العالم العربي. لأجل تغيير ذلك كان العالم الإسلامي بحاجة لحدث كبير آخر، إن انتصار الثورة الإسلامية و خروج إيران من المعسكر الغربي و أخذها لمكان مصر عبد الناصر المعادية للصهيونية قد أدى على المستوى الاستراتيجي إلى إحياء القضية الفلسطينية و الحيلولة دون تكرار أمر مشابه لما حصل في كامب ديفيد. أوجد خروج الجمهورية الإسلامية من المعسكر الغربي و اتخاذ سياسة مبدئية غير غربية أو شرقية و اتباع استراتيجية المقاومة تدريجاً لظهور مجموعة أمنية جديدة في المنطقة باسم المقاومة و التي تختلف ماهيتها عن بقية المجموعات الأخرى في المنطقة و لا ترتبط أو تعتمد على أي من القوى الكبرى. نتيجة لهذه التغيرات تحولت منطقة غرب آسيا إلى ساحة للمواجهة الاستراتيجية بين ثلاث مجموعات فرعية هي مجموعة المقاومة و المجموعة المرتبطة بالغرب و المجموعة المرتبطة بالشرق، و كل واحدة منها تسعي لإقامة أو تثبيت النظام الإقليمي الذي تريده.
كانت بداية الحرب المفروضة من قبل النظام البعثي في العراق أول مواجهة استراتيجية بهدف إلغاء المجموعة الأمنية الفرعية الجديدة في المنطقة، إلا أن صمود الجمهورية الإسلامية في سنوات الحرب رسخ من مقولة و نهج المقاومة، و من جهة أخرى فإن دعم الجمهورية العربية السورية لإيران في الحرب و تشكل نهضة المقاومة الإسلامية في المنطقة قد وسع من العمق الاستراتيجي للمقاومة حيث:
- تاسست حركة الجهاد الإسلامي متأثرة به فكر الإمام الخميني (رض)، فمؤسس الحركة وأمينها العام الأول قال في كتابه "الخميني، الحل الإسلامي و البديل" أن تعاليم الثورة الإسلامية والإمام الخميني (رض) هي الحل الوحيد للعالم الإسلامي.
- نشأ حزب الله في لبنان عام 1982.
- نشوء حركة حماس الإسلامية: على الرغم من أن هذه الحركة قد تأسست في عام 1987 بفكر إخواني عموماً إلاّ أن محور المقاومة استطاع أن يصادر هذه الحركة الإخوانية أيضاً، فالعناصر الجهادية لحماس هم في نفس خط فكر محور المقاومة.
- قامت الانتفاضتان الأولى و الثانية في فلسطين.
في النظام الدولي لفترة الحرب الباردة كان التنافس بين القوتين العظميين آنذاك من أجل توسيع نفوذهما في مناطق مختلفة من العالم جزءاً لا يتجزأ من من طبيعة الحرب الباردة، و كانت كل من الكتلتين الشرقية و الغربية تسعى لتوسيع دائرة نفوذ آيديولوجيتها السياسية على مستوى العالم. مع انهيار الاتحاد السوفييتي في عقد التسعينات تفوقت القوة الأمريكية كآيديولوجية و وصلت إلى حد عبر عنه البعض بتهكم قائلين بأنه عندما تحرك أمريكا أسطولها البحري فإن أنظمة الحكم تتغير في بعض الدول. بعد هذه التطورات كان المسؤولون الأمريكيون يتصرفون بطريقة و كأن نظام القطب الواحد قد ساد في العالم و في منطقة غرب آسيا، و مما عزز من هذه النظرة في منطقة غرب آسيا بشكل خاص هو إقدام أمريكا على رأس ائتلاف دولي على تحرير الكويت من قبضة صدام حسين المعتدي و دكتاتور نظام البعث في العراق. يمكن اعتبار تصريحات جورج بوش بعد هجمات الـ11 من سبتمبر الإرهابية نقطة البداية لمرحلة جديدة من دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، حيث قال: "كل دولة في كل منطقة يجب أن تتخذ قرارها الآن، إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين. من اليوم فإن أي دولة توفر ملاذاً للإرهابيين أو تدعمهم ستعتبر نظاماً معادياً من قبل أمريكا"، فالرئيس الأمريكي حينها سعى من موقعه كلاعب دولي لأن يصدر الأوامر للباقين و يحدد لهم ما يجب أن يفعلوا و ذلك بكل بساطة.  
كشف تحول العراق و أفغانستان إلى مستنقع للقوات الأمريكية و كذلك قيام حكومة شيعية منسجمة مع إيران في العراق خطأ تصور أمريكا حول دورها في المنطقة و أظهر أنه مع انهيار الاتحاد السوفييتي فإن معادلة النظام الإقليمي لمنطقة غرب آسيا قد تغيرت من ثلاثية الأقطاب إلى ثنائية الأقطاب حيث قام محور المقاومة بالاستيلاء على الحصة السوفييتية قبل وصولها إلى الغرب، و مع انتصار المقاومة في حربي الـ33 يوماً و الـ22 يوماً توضحت علامات تغير التوازن ثنائي القطب و صار أهم مبدأ للنظام الغربي ألا و هو تحقيق الأمن لإسرائيل يخضع للشك بشكل جدي.
الوضع القائم، اختلال التوازن ثنائي القطب و المساعي غير الموفقة لتحقيق التوازن
كانت نقطة البداية لمجموعة التطورات و التغيرات التي يطلق عليها الصحوة الإسلامية من دولة تونس حيث أدت المظاهرات الكبيرة  و ذات التأثير الواسع في ذلك البلد في النهاية إلى سقوط نظام بن علي. واحدة بعد الأخرى شملت هذه المظاهرات الأنظمة غير الديموقراطية و غير الشعبية في المنطقة مثل أنظمة مصر و ليبيا و اليمن و البحرين و أدت في بعض هذه الدول إلى اسقاط النظام الحاكم، أما في البعض الآخر فلم يحصل ذلك الأمر و إن كان الحراك الشعبي فيها مستمراً إلى الآن.
النطاق الواسع لهذه التطورات الجديدة و أيضاً طبيعتها الإسلامية أدت إلى تشكل نقطة تحول في الترتيبات الأمنية الإقليمية، فكما تم التوضيح سابقاً أدت الانتصارات الاستراتيجية للمقاومة في حربي الـ33 يوما ًو الـ22 يوماً إلى إضعاف و هز أعمدة التوازن ثنائي الأقطاب، و من ناحية أخرى فإنه على الرغم من وجود توجهات إسلامية مختلفة في أحداث الصحوة إلا أن نتيجتها الكلية كانت لصالح محور المقامة على الأقل من حيث أنها أدت إلى إخراج حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة  و أصدقاء للكيان الصهيوني من المعسكر المنافس. علاوة على ذلك فإنه حتى الثوريون الإخوانيون في مصر و تونس اعتبروا بأن دور الجمهورية الإسلامية في أحداث الصحوة الإسلامية و حصولهم على الإلهام من أفكار و مبادئ المقاومة أمراً غير قابل للإنكار، و من ناحية أخرى فإن الثوريين في البحرين و اليمن يعتبرون أنفسهم امتداداً لقوة و فكر المقاومة. مجموع هذه الأحداث رسم صورة جديدة لمنطقة غرب آسيا، صورة أدت فيها الوقائع على الأرض و التحولات السياسية إلى تغيير التوازن ثنائي الأقطاب بشكل كبير و في اتجاه النظام الذي تنشده المقاومة.
مساعي الغرب غير الموفقة لإحداث التوازن
 مع تغير التوازن ثنائي الأقطاب في المنطقة كنتيجة للصحوة الإسلامية، اتبعت الولايات المتحدة استراتيجيات فاشلة لإعادة التوازن القديم مجدداً. في أول إقدام لهم قام الغرب من خلال حرف الصحوة الإسلامية عن مسارها الأصلي و الاستفادة من الجو الناتج عن تلك التطورات وكذلك بعض النواقص الداخلية في نظام البعث بهندسة وتخطيط الأزمة السورية بحيث يوجهون ضربة قوية لمحور المقاومة عن طريق إسقاط بشار الأسد و إخراج سوريا من هذا المحور، و لكن مع مرور الزمن و مع الانتصارات الاستراتيجية للمقاومة في سوريا انخفض سقف استراتيجية الغرب هناك من إسقاط بشار الأسد إلى الحيلولة دون تواجد إيراني دائم في سوريا و الحصول على ضمانات لحفظ أمن إسرائيل، و هي أهداف لم يتمكنوا من تحقيقها إلى الآن.
من التحولات المهمة الأخرى الناتجة عن الصحوة الإسلامية هو تحول "الناس" إلى لاعبين أصليين في التطورات الجديدة، فحضور عموم الناس في الثورات العربية يخالف النظريات الواقعية و التجريدية أحياناً التي تعتبر بأن أي تطور و تغيير ينشأ من أعمال الحكومات و تعاملها مع بعضها. مع فشل استراتيجية الغرب في أزمة ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق و سوريا و كذلك فشل أتباعه في اليمن آمن عامة الناس في المنطقة أو جزء كبير منهم على الأقل تدريجياً بمقولة و استراتيجية المقاومة حيث يرون بأنها تستطيع أن تكون طريق الحل للقضية الفلسطينية بصفتها أهم قضايا العالم الإسلامي. من هذا المنطلق فإن الوقائع الميدانية إلى جانب التحولات السياسية و تزايد الدور الشعبي في المنطقة أدى إلى عبور التهديدات التي تواجه الكيان الصهيوني مرحلة "الخطر الأمني" إلى مرحلة "الخطر الوجودي".
الترتيبات الأمنية الجديدة أخلت بأهم مبدأ للنظام الغربي في المنطقة ألا و هو أمن إسرائيل، و من هذا الباب اتخذت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب استرتيجية جديدة من أجل تحقيق توازن إقليمي، و في هذه الاستراتيجية التي تذكر بنظرية "الجبر الجيوسياسي" في المباحث النظرية، أصبحت المشكلات المشتركة هي العامل الأصلي -و ليس الظاهري- لتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية بدلاً من "المصالح السياسية" حتى يتم من خلال جعل هذه العلاقات علنية و من خلال كسر القبح الذي تشكله تشكيل ائتلاف جديد في المنطقة علّه يستطيع تحقيق توازن مع محور المقاومة الذي زادت قوته و عمقه الاستراتيجي نتيجة للتطورات الميدانية.
الخاتمة، تقييم الوضع القائم و اقتراحات استراتيجية
من الناحية التحليلية هناك عدد من النقاط المهمة حول الوضع القائم للنظام الإقليمي لمنطقة غرب آسيا:
1- كما تمت الإشارة من قبل فإن تاريخ التطبيع مع الكيان الصهيوني يعود إلى التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد بين هذا الكيان و مصر في عام 1978 و أيضاً اتفاقية وادي عربة مع الأردن19 في عام 1994، و لكن المرحلة الجديدة من التطبيع و التي يمكن تسميتها بالتطبيع الجديد لها خصائص تميزها عن المرحلة التي قبلها، فمن الناحية الجغرافية شملت المرحلة السابقة من التطبيع المحيط المجاور للكيان الصهيوني و لكن التطبيع الجديد تجاوز هذا المحيط الجغرافي ليشمل دولاً ليست جارة لهذا الكيان.
من ناحية أخرى فإن التركيز الأساسي للتطبيع الجديد و مركزه هو المحيط الأمني للجمهورية الإسلامية في إيران و خصوصاً منطقة الخليج، لذلك فإن هذه المرحلة الجديدة من التطبيع علاوة على كونها موجهة ضد فلسطين فإنها موجهة ضد إيران كذلك باعتبارها قائدة لمحور المقاومة.
2- هناك آراء مختلفة فيما يخص مبتكر و مهندس التطبيع الجديد إلا أن الملاحظات و النقاط التالية تحوز على أهمية أكبر في هذا الموضوع:
بسبب الفشل المتكرر للولايات المتحدة في مجال السياسة الخارجية من قبيل فشل سياسة الضغط الأقصى على الجمهورية الإسلامية في إيران و تعمق الشرخ بين ضفتي الأطلسي و تراجع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي و النهاية غير الموفقة للمفاوضات مع كوريا الشمالية و الأهم من ذلك كله التغيير الجيوسياسي وتغير النظام الإقليمي لمنطقة غرب آسيا نتيجة للانتصارات الاستراتيجية و الميدانية للمقاومة -على الرغم من المبالغ المالية الضخمة التي صرفت من قبل الغرب و الأزمات التي اختلقوها في المنطقة-  مما يمكن تلخيصه بعدم تحقيق أي إنجاز يذكر في السياسة الخارجية؛ كل ذلك دفع بالقيادة الأمريكية إلى إيجاد خطة يستطيع ترامب من خلالها أن‌يظهر بمظهر الرئيس الناجح في المجال الدولي من جهة، و من جهة أخري تكون سبباً لزيادة الدعم المقدم لحملته الانتخابية من قبل الللوبيّات الصهيونية ذات النفوذ و الثروة.
من ناحية أخرى فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و الذي يشببه الكثير من المتخصصين بترامب، علاوة على قلقه من إيران و محور المقاومة فإن وضعه كان هشا في انتخابات الكنيست و يواجه أوضاعا اجتماعية و معيشية غير جيدة في الداخل و يواجه كذلك ملفات و تهم فساد شخصي و عائلي، و من هذا المنطلق فإن "بي بي" كان يبحث كذلك عن مخرج يستطيع من خلاله التنفس و مواصلة فترة رئاسته للحكومة.
اعتبر الحكام الرجعيون في الإمارات و البحرين بناء على تجاربهم في الفترات السابقة للرئاسة الأمريكية و التي غالباً ما تؤيد تحليلهم التالي بأن الرئيس الحالي هو الرئيس المنتخب القادم للولايات المتحدة و ظنوا بأن خدمتهم الجيدة له لن تبقى دون رد أو مقابل بعد نهاية الانتخابات، و من ناحية أخرى فإن الوقائع و التطورات الميدانية من قبيل إسقاط طائرة غلوبال هوك و الهجمات على الناقلات النفطية و استهداف المنشآت النفطية لشركة آرامكو و الهجوم الصاروخي على قاعدة عين الأسد بيّنت تشكل نظام إقليمي جديد في منطقة غرب آسيا مما جعلهم يعتقدون في تحليلهم بأن الخروج بالعلاقات مع الكيان الصهيوني إلى العلن ربما يمكن أن يؤدي إلى تشكيل صف جديد في مواجهة محور المقاومة.
3- في الأنظمة الإقليمية تكون القدرة على تغيير النظام القائم في يد اللاعبين الأصليين و الأقوياء، و يكون تأثير دول صغيرة مثل الإمارات و البحرين قليلاً جداً. من هذا المنطلق و مع الأخذ بعين الاعتبار مكانة السعودية في العالم السني فإنه يبدو من الضروري مواصلة المباحثات الإقليمية مع هذه الدولة و الحيلولة دون خروج علاقاتها مع الكيان الصهيوني إلى العلن.
4- القدرات المالية للإمارات و البحرين من جهة، و القدرات التكنولوجية للكيان الصهيوني من جهة أخرى، و استفادتهم من إمكانات بعضم يمكن أن يشكل تهديداً على المديين المتوسط و البعيد.
5- إمكانية التعاون المشترك و جمع القدرات العسكرية و الاستخباراتية للكيان الصهيوني مع الإمارات و البحرين، خصوصاً أن المؤسسة العسكرية و الاستخباراتية للكيان الصهيوني تتمتع بتجارب كبيرة بسبب سوابقهم في الحروب التقليدية مع الدول العربية و كذلك في حروب العصابات و الحروب الاستخباراتية مع محور المقاومة.
6- إدارة بعض القادة العرب بالأمس و اليوم ظهورهم للقضية الأصلية للعالمين العربي و الإسلامي أدى إلى أن يتجلى الدور القيادي للجمهورية الإسلامية في إيران و محور المقاومة في موضوع فلسطين للرأي العام العالمي أكثر من السابق و خصوصاً ذلك الجزء الصغير من الشارع العربي الذي كان يرى مخطئاً أن دور محور المقاومة في الأزمة السورية هو انحراف عن القضية الفلسطينية، و في نفس الوقت زاد ذلك من القوة الناعمة لمحور المقاومة.
7- من النتائج الأخرى للتطبيع الجديد تعميق الهوة بين الشعوب و الحكومات في الدول العربية المطبعة، و في هذا الصدد أشار استطلاع للرأي نشر في كثير من وسائل الإعلام العربية أن 80 بالمأة من المواطنين الإماراتيين لا يميلون إلى أن تكون لديهم علاقات عمل أو علاقات رياضية مع الإسرائيليين، مما يشير إلى التضاد بين رأي أغلبية الإماراتيين و السياسات الرسمية لمسؤولي الدولة. ليس من المستبعد أن يؤول مصير التطبيع الجديد إلى ما آلت إليه اتفاقيات السلام مع مصر و الأردن و التي على الرغم من مرور سنوات طويلة على التوقيع عليها إلا أن شعبي هاتين الدولتين يؤكدون في مناسبات مختلفة على معارضتهم للكيان الصهيوني و يحرقون علمه و يدعون إلى إلغاء اتفاقيات السلام و إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معه و طرد سفيره من دولهم. 
8- تشير تجارب الأنظمة الدولية من شيوعية و ليبرالية و ليبرالية ديموقراطية إلى أن النظام الذي يتمكن من الاستمرار و الاستقرار هو النظام الذي يملك قوة آيديولوجية. من الواضح بأن طبيعة مقولة و نهج المقاومة تختلف جذرياً عن طبيعة المقولات و المناهج المنافسة  في المنطقة و بسبب أنها تقوم على مبادئ غير قومية و عابرة للتشيع و إسلامية فإنها لا تقارن مع الأفكار العربية أو السنية أو الليبرالية الأخرى، لذلك تجب المحافظة على هذه المبادئ و عدم السماح لبعض الأحداث التكتيكية و الآراء غير المدروسة بأن تخدش هذه الاستراتيجية العامة.
9- إن مستقبل التطبيع الجديد يرتبط أكثر من أي شئ آخر بمستقبل المواجهة الاسترتيجية بين محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران و المحور الغربي العربي العبري بقيادة الولايات المتحدة. من ناحية فإن بايدن و فريقه للسياسة الخارجية في أمريكا يدعمون التوجه التقليدي للديموقراطيين تجاه القضية الفلسطينية ألا و هو حل الدولتين، و لا يربطون استمرار العلاقات مع الدول العربية بالتطبيع فقط، و لكن من ناحية أخرى فقد قال بايدن بعد لقاءه مع رئيس الكيان الصهيوني روين ريولين في البيت الأبيض بأن "الولايات المتحدة تدعم بشكل كامل تطبيع العلاقات بين إسرائيل و دول الشرق الأوسط و أفريقيا".
الجمهورية الإسلامية في إيران تمكنت من تجاوز الحرب الاقتصادية بنجاح و رسخت من خلال الأحداث الميدانية من موقعها و موقع محور المقاومة المتفوق في المنطقة، كذلك الشعب هناك أيضاً من خلال حضوره المكثف في الانتخابات الرئاسية اختار حكومة تقوم سياستها الخارجية و توجهاتها الدولية على أساس استراتيجية المقاومة.
مجموع هذه المؤشرات يُظهر وجود عقبات جدية أمام مسار استراتيجية التطبيع الجديد و لربما يتشكل تطبيع جديد آخر يقوم فيه المطبعون الإقليميون بتوسيع علاقاتهم مع محور المقاومة، خصوصا أن علامات الندم على هذا العمل غير الحكيم قد بدت على بعض الدول المطبعة، على سبيل المثال، في زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد للإمارات و التي تعتبر أول زيارة رسمية لوزير خارجية إسرائيلي لأبوظبي بعد تطبيع العلاقات بين الجانبين، لم يتم استقباله عند سُلّم الطائرة من قبل أي مسؤول إماراتي رفيع و كانت التغطية الإعلامية لهذه الزيارة محدودة جداً في وسائل الإعلام الإماراتية.
 
الحاشية
1- Regional Order
2- World Order
3- Discourse
4- Camp David Accords
5- Conflict Management
6- Unipolar
7- multi polar
8- Balance of Power
9- Concert of the Great Powers
10- Multilateral group management
11- hegemonic
12- Bipolar
13- Common good
14- Vital interests
15- Middle East Security Complex
16- Copenhagen School
17- Barry Buzan
المصادر:
- باقيان، مرتضى، 1392، الحرب الباردة ومعادلات الشرق الأوسط المعقدة (جنگ سرد و معادلات پيچيده خاورميانه)، مؤسسة دراسات تاريخ إيران المعاصر (موسسه مطالعات تاريخ معاصر ايران)
http://www.iichs.ir/News-6764/جنگ-سرد-و-معادلات-پيچيده-خاورميانه
- بوزان، باري، ويفر، إلي، 1388، المناطق و القوى: نظام الأمن الدولي (مناطق و قدرت‌ها: ساختار امنيت بين‌الملل)، مؤسسة الدراسات الاستراتيجية للبحوث (پژوهشكده مطالعات راهبردي)
- ليك، ديفيد، مورغان، باتريك، 1381، الأنظمة الإقليمية، تحقيق الأمن في عالم جديد (نظم هاي منطقه اي؛ امنيت سازي در جهاني نوين)، ترجمة سيد جلال دهقاني فيروز آبادي، طهران، مؤسسة الدراسات الاستراتيجية للبحوث (پژوهشكده مطالعات راهبردي)
- مورغان، باتريك، 1381، "المجموعات الأمنية الإقليمية و الأنظمة الإقليمية" في الأنظمة الإقليمية، تحقيق الأمن في عالم جديد («مجموعه هاي امنيتـي منطقـه اي و نظـم هـاي منطقـه اي»، در نظـم هـاي منطقـه اي؛ امنيت سازي در جهاني نوين)، ترجمة سيد جلال دهقاني فيروز آبادي، طهران، مؤسسة الدراسات الاستراتيجية للبحوث (پژوهشكده مطالعات راهبردي)
- نيكايويي، س، ستودة، ع، 1394، تأثير الصراعات الداخلية في سوريا و العراق على امجموعة الأمنية للشرق الأوسط 2011 –  (تاثير منازعات داخلي سوريه و عراق بر مجموعه امنيتي خاورميانه 2011- 2015) 2015، تحقيقات السياسة الاستراتيجية 4 (15 (متتالية 45))، 153 – 177 (پژوهش هاي راهبردي سياست, 4(15 (پياپي 45) ), 153-177)
https://www.sid.ir/fa/journal/ViewPaper.aspx?id=334281
- https://sansalvaje.com/6064/cold-war-map
- Sempa, Francis (2017-07-12). Geopolitics: From the Cold War to the 21st Century. Routledge


قراءة: 163