فصلنامه مطالعات سیاست خارجی تهران
 

البحث في التطبيع بين دول الخليج الفارسي و الكيان الصهيوني؛ حالتا الإمارت و البحرين على وجه الخصوص

أحمد علي صادقي
باحث في شؤون الخليج الفارسي
الخلاصة
بدأ مسار التطبيع بين الدول العربية و الكيان الصهيوني مع السلام بين مصر و هذا الكيان بعد حروب متتالية لم تأت بنتيجة، و كانت الأردن هي الدولة الثانية التي انضمت إلى هذا المسار. إن مفاوضات السلام في مدريد في عقد التسعينات كانت المنصة التي انطلقت منها العلاقات الدبلوماسية السرية بين الدول العربية في الخليج الفارسي و الكيان الصهيوني في مجالي التسلح و الأمن، و تدريجياً تشكل التقارب بين الطرفين على أساس التهديدات المشتركة و استمر التعاون السري بينهما لسنوات في المجالات الاستخباراتية و الأمنية و التسليحية مع وجود برامج سياسية مشتركة بهدف مواجهة محور المقاومة في منطقة غرب آسيا، و بعد عقدين من الجهود المشتركة لتضعيف محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية  و مع التفوق الاستراتيجي لهذا المحور من خلال الصحوة الإسلامية و الأحداث التي تلتها، رفعت كل من من دولة الإمارات العربية المتحدة و البحرين و الكيان الصهيوني الستار عن علاقاتهم الثنائية، و إن لخروج هذه العلاقات إلى العلن أهدافاً و نتائج سيتم التطرق لها في هذا المقال.
 
الكلمات الأساسية:
الكيان الصهيوني، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، محور المقاومة
مقدمة
مع انتهاء الحروب بين العرب و الكيان الصهيوني تحولت مسألة مواجهة الآثار التخريبية لبقاء هذا الكيان أو القبول المشروط به إلى موضوع يشغل دول غرب آسيا. مع بداية مسار المصالحة بين الدول العربية و الكيان الصهيوني بادرت في المرحلة الأولى كل من مصر و الأردن إلى إقامة علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني، و يمكن القول بأن علاقات مصر مع الكيان الصهيوني كانت نتيجة ظروف إجبارية فُرضت على الأولى من خلال سيطرة الكيان الصهيوني على صحراء سيناء. كانت مفاوضات مدريد للسلام في عقد التسعينات نقطة الانطلاق للدبلوماسية السرية بين الكيان الصهيوني و دول العربية في الخليج الفارسي في بعديها التسليحي و الأمني، و بعد اتفاقية أوسلو للسلام بين إسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993 بدأت دول العربية في الخليج الفارسي و إسرائيل علاقاتها التجريبية و غير العلنية و افتتحوا بعد ذلك مكاتب تجارية في عواصم بعضهم، إلاّ أن كثيراً منها أغلقت بعد تصاعد المواجهات بين الإسرائيلين و الفلسطينيين في الانتفاضة الثانية التي بدأت في عام 2000.
بعد الصحوة الإسلامية و بعض التحولات الأخرى من قبيل أزمة ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق و سوريا و كذلك الحرب في اليمن و غيرها من الأحداث التي اعتبرت في صالح محور المقاومة، اضطر المحور العربي-العبري إلى تغيير أسلوبه و توجه كل من  نتنياهو بسبب الظروف الداخلية غير المناسبة داخل الكيان الصهيوني، و دول الرجعية العربية الخائفة من الانتصارات الاستراتيجية لمحور المقاومة و بدعم من الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت دونالد ترامب إلى الإعلان عن علاقاتهم الخفية علّهم يتمكنون بذلك من مواجهة محور المقاومة في المنطقة و الذي اتسع امتداده جغرافيا و تصاعدت قدراته.
في عام 2015 سمحت دولة الإمارات العربية المتحدة لإسرائيل بالمشاركة الدبلوماسية في المؤتمر الدولي لمصادر الطاقة المتجددة، كما أن قطر تعاونت مع إسرائيل لتحقيق وقف لإطلاق النار في غزة، و أما سلطنة عمان فقد استضافت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2018. كل ذلك تم في إطار التعريف الجديد لهذه الدول لأمنها و الحاجة لإيجاد تغييرات استراتيجية. من وجهة نظر هذه الدول فإن إسرائيل ستكون خياراً مناسباً للحيلولة دون انحسار الدور الأمريكي في المنطقة، و هي أيضاً شريك تجاري غني يمتلك اقتصاداً بتقنيات متقدمة يستطيع مساعدتهم على إحداث توازن مع محور المقاومة.
من وجهة النظر الإسرائيلية فإن إقامة علاقات جيدة مع دول العربية في الخليج الفارسي يقلل من انزواء هذا الكيان و يشكل وسيلة للضغط على الفلسطينيين من أجل التفاوض حول دولة جديدة لأن دعم الدول العربية كان ملازماً لمسيرة المفاوضات.
لقد أظهرت كل من الإمارات العربية المتحدة و البحرين من خلال انضمامهما للاتفاق الإبراهيمي في 15 من سبتمبر 2020 سعيهما لاستكمال الأحجية المبهمة لصفقة القرن و الاعتراف الرسمي بالكيان الصهيوني، و قد أشارت ردود الأفعال المختلفة من الأطراف المخالفة (إيران و تركيا و جنوب أفريقيا و ليبيا و المجموعات الفلسطينية)، و الموافقة (أمريكا، كندا، دول غرب و شرق أوروبا باستثناء أيرلندا و البوسنة و بلا روسيا، الهند، الصين، اليابان، أستراليا)، و غير المحددة الموقف (روسيا، السعودية، ماليزيا، باكستان، تونس) إلى أن عملية السلام بين الدول العربية و الكيان الصهيوني تحظى بأهمية لدى الكثير من دول العالم. على أية حال، بعد مضي 40 عاماً على اتفاقية السلام بين الكيان الصهيوني و مصر في عام 1979، و كذلك مضي 26 عاماً على معاهدة السلام بين الكيان الصهيوني و الأردن في عام 1994، فإن الإمارات العربية المتحدة و البحرين هما ثالث و رابع الدول العربية التي تقدم على إقامة علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني، و هذه العلاقات الرسمية لها جذور في التعاون الخفي و شبه المعلن بين الطرفين. بالإضافة إلى البحث في خلفية العلاقات بين كل من الإمارات و البحرين مع الكيان الصهيوني و أهداف هذه الدول من اتخاذ مسار التطبيع فإن هذا التحقيق يتطرق كذلك إلى النتائج الأمنية لهذا الحدث.
خلفية و تاريخ العلاقات بين الإمارات و الكيان الصهيوني
على الرغم من حذر أبوظبي في ما يتعلق بعلاقاتها السرية مع الكيان الصهيوني خلال العقود الماضية و عدم تسريب معلومات عنها للإعلام، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية وضحت ماهية العلاقات خلف الستار بين الطرفين كي يتمكنوا من جذب المزيد من الدول العربية لمسار التطبيع مع المحتل، و في نفس السياق فإن إعلام أبوظبي أيضاً بدأ بعد مدة بنشر محتوى وأخبار حول هذا الموضوع. لقد ازداد التعاون بين تل أبيب و أبوظبي في المجال الأمني مع بداية الصحوة الإسلامية و وصل إلى حد عقد اتفاقات عسكرية و أمنية بينهما، إلا أن هذا التعاون كان موجوداً قبل الصحوة الإسلامية كذلك كما ذكر يوسي ميلمان في صحيفة هاآرتس في تاريخ 18 سبتمبر 2008 في تقريره حيث أورد خبر اتفاق بملايين الدولارات بين الإمارات و شركة ATG  الإسرائييلية المسجلة في سويسرا، و قد نشر موقع "مدل غيست آي" الإخباري الإنجليزي معلومات أكثر حول هذا الاتفاق في فبراير 2012 و ذكر بأن الإماراتيين اشتروا عدداً كبيراً من أجهزة التجسس و المراقبة و خصوصاً في مجال مراقبة المراكز النفطية. 1
وصلت العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة و الكيان الصهيوني إلى مستويات دبلوماسية في عام 2015 حيث صوتت الإمارات لصالح عضوية الكيان الصهيوني في لجنة تابعة للأمم المتحدة لاستخدام جو الأرض لأهداف سلمية، و بالتزامن مع ذلك افتتح الكيان الصهيوني ممثليته الدبلوماسية في الوكالة الدولية للطاقة المتجددة في أبوظبي لتصبح أول مكتب تمثيلي له في الإمارات. تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه في العام 2017 اتسع نطاق التعاون الاستراتيجي بين الإمارات و الكيان الصهيوني إلى مستوى غير مسبوق حيث امتلكت أبوظبي مشروع نقل تقنيات الرصد و التجسس الإسرائيلية 2
أهداف الإمارات من وراء اتخاذ استراتيجية التطبيع
 بشكل عام يمكن تصنيف أهداف الإمارت من وراء التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني في ثلاثة مجالات:
أ‌. المجال السياسي: تعتبر الإمارات دولة صغيرة من حيث مكانتها في النظام الدولي ، و القوى الصغيرة تسعى من خلال التعاون مع و اتباع القوى الكبيرة إلى تحسين موقعها في هذا النظام كي تتمكن من لعب دور أكثر تأثيراً في المعادلات و الأحداث الإقليمية أولاً، و على المستوى الدولي ثانياً. تعلم دولة الإمارات بأن للولايات المتحدة شبكة من الحلفاء في المؤسسات و الأنظمة الدولية و تسعى إلى بذل جهود و  القيام بمحاولات أكثر جدية لكسب تأييد هذه الدولة و التعويض من خلال ذلك عن ضعفها السياسي. من هذا المنطلق فقد سعت الإمارات من خلال تحسين علاقاتها مع الكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات الأمريكية إلى صنع ورقة انتخابية رابحة لترامب تمكنها من الحصول على مكاسب أكبر من أمريكا و تعزيز مكانتها الحالية على مستويات مختلفة.
ب‌. المجال الأمني: يبلغ عدد سكان الإمارات 9 ملايين نسمة إلاّ أن 89% منهم من الأجانب3 ، لذلك فإنها لا تملك ما يكفي من الموارد البشرية من أجل لعب دور مؤثر في المنطقة و خصوصاً في الأزمات، و على الرغم من أنها من مستوردي الأسلحة الرئيسيين في العالم فإنها لا تملك جيشاً قوياً و تعتمد في دفاعها على القواعد الأمريكية المتواجدة على أراضيها. تسعى دولة الإمارات من خلال فتح المجال لحضور الكيان الصهيوني في الخليج الفارسي إلى تغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة و الذي لا يصب في مصلحة نظامها. علاوة على ذلك فإن الحفاظ على الأمن الداخلي و الاستقرار هو أحد العوامل المؤثرة في السياسة المتبعة من قبل دولة الإمارات في السنوات الأخيرة، و ستسعى من خلال إقامة علاقات علنية مع الكيان الصهيوني إلى الاستفادة من دور أجهزته الاستخباراتية في تحقيق أهدافها الوطنية على الصعيدين الإقليمي و الداخلي بهدف الحفاظ على بقاء نظامها. يجدر بالذكر أن خبيراً إسرائيلياً قد أكد على أهمية التعاون العلمي بين الكيان الصهيوني و دولة عربية مثل الإمارات لأن علاقاتهم السرية تحت غطاء التعاون العلمي تبقى سرية و يمكن للأجهزة الأمنية للطرفين التعاون و العمل معا تحت هذا الغطاء.4 من الأهداف الرئيسية الأخرى لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني تيسير عقد صفقات لشراء أسلحة أمريكية متطورة مثل طائرات F-35 و طائرات Reaper من دون طيار و طائراتA- 18 جي- Growler.
 ج. المجال الاقتصادي: تملك الإمارات في الوقت الحاضر سابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط و الغاز في العالم، و قد بلغ حجم صادراتها النفطية في عام 2018 58 مليار دولار مما يعادل 5 في المأة من كل صادرات النفط في العالم.5 إن القدرات الاقتصادية و التمتع بمصادر نفطية و غازية كبيرة هي من أهم العوامل التي تعطي مسؤولي الإمارات الثقة بقدرتهم على لعب دور أكثر فاعلية في أحداث المنطقة. مع إدراكها لكون الكيان الصهيوني يحتل المرتبة الأولى في استهلاك النفط في منطقة شرق المتوسط و المرتبة الثانية من حيث استهلاك الغاز مع كونه من أفقر دول المنطقة من حيث مصادر الوقود الأحفوري و يعتمد بشكل كامل على واردات النفط و الغاز، فإن الإمارات تسعى من خلال هذه السياسة إلى تحقيق أكبر مكسب ممكن من وراء هذا الزبون الذي يعيش أزمة اقتصادية. 6
 تاريخ العلاقات بين البحرين و الكيان الصهيوني
أول علامة على ظهور هذه العلاقات للعلن  تعود إلى شهر مايو من عام 2018 عندما اعترفت البحرين رسمياً بحق إسرائيل في الوجود7، إلاّ أن المسؤولين البحرينيين أنكروا حينها أي وجود للتطبيع و أكدوا على التزام دولتهم بمبادرة السلام العربية.8 العلامة الثانية كانت في شهر يونيو من عام 2019 عندما تلقت ست وسائل إعلام إسرائيلية دعوة رسمية لتغطية ورشة السلام الاقتصادي بين إسرائيل و الفلسطينيين في البحرين.9 في شهر يوليو من العام نفسه التقى وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة بنظيره الإسرائيلي، إسرائيل كاتز في الولايات المتحدة، و في شهر أكتوبر من ذات العام شارك المسؤول الإسرائيلي دانا بنوتيستي قاباي في مجموعة العمل الخاصة بأمن الملاحة و الطيران في المنامة، و من ثم زار كبير حاخامات القدس شلومو عمار البحرين في إطار حدث يختص بالأديان في شهر ديسمبر من نفس العام. في النهاية تم الإعلان عن اتفاق البحرين و إسرائيل على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة في 11 من سبتمبر عام 2020. بالإشارة إلى تاريخ الإعلان قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لايوجد رد أقوى من ذلك على الكراهية الناتجة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر.10 تم التوقيع على الاتفاقية في 15 من سبتمبر 2020 في البيت الأبيض في واشنطن، و قد سافر وفد إسرائيلي برئاسة مستشار الأمن الوطني ماير بن شبات إلى المنامة من أجل التوقيع على وثيقة التطبيع، و في مارس من العام التالي عينت البحرين أول سفير لها في إسرائيل.
 
أهداف البحرين من وراء التطبيع مع الكيان الصهيوني
بشكل عام يمكن الإتيان بثلاثة أسباب للإجابة على سؤال لماذا اتخذت البحرين استراتيجية التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني:
أ‌. اقتصادي: عند النظر إلى اقتصاد البحرين نجد أن الأرقام الرسمية تشير إلى تقلص العجز التجاري للمملكة في الأشهر الثلاثة الثانية من العام 2020 إلى 485 مليون دينار (1.29 مليار دولار)، حيث يشير تقرير مرجع المعلومات و الدولة الإلكترونية الذي صدر في شهر يوليو من العام الماضي إلى أن العجز التجاري قد انخفض بمقدار 1.4% على المستوى السنوى، و قد بلغ العجز في الميزان التجاري للبحرين و الذي يشير إلى الفارق بين الصادرات و الواردات 492 مليون دينار (1.31 مليار دولار) في الربع الثاني من عام 2019. علاوة على ذلك فإن البلد يملك أقل مخزون و عائد نفطي من بين أعضاء مجلس التعاون لدول العربية في الخليج الفارسي ويستخرج حوالي 200 ألف برميل في اليوم. علاوة على ذلك فإنه بسبب انخفاض مستوى الاحتياط النقدي للبلد و كذلك ارتفاع مستوى الدين العام فقد انخفضت قيمة الدينار البحرين بحوالي 70%، هذا في حين أن عجز الميزانة قدارتفع إلى مستوى غير مسبوق. في الحقيقة تسعى البحرين إلى تحسين أوضاع اقتصادها المضطرب من خلال الاستفادة من إمكانات الشركات الإسرائيلية المتقدمة في مجالات التسليح و الطاقات المتجددة و كذلك من خلال جذب السياح و الاستثمارات الاقتصادية.
 
ب‌. تسليحي: إن قيام البحرين بتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني يوفر لها إمكانية المحافظة على أمن أجوائها من خلال القيام بشراء أنظمة متطورة للدفاع الجوي من الولايات المتحدة. أيضاً يسعى البحرينيون إلى ربط أمنهم بأمن الخليج الفارسي و لعب دور و لو صغير في المعادلات الإقليمية و الدولية. 
 
ج. القلق الأمني المشترك: لا تعتبر البحرين إيران تهديداً إقليمياً استرتيجياً فحسب، و إنما تعتبرها أيضاً تهديداً وجودياً لنظامها، إن 60% من شعب البحرين هم من المسلمين الشيعة، و يعتبرهم النظام البحريني إنقلابيين في أحسن الأحوال و طابوراً خامساً لإيران في أسوأ الأحوال، فهم مصدر قلق لجهاز الأمن الداخلي في البحرين و مصدر تهديد للبنية التحتية التي أقامها الضابط البريطاني يان هندرسون المسؤول عن قمع تمرد مائو ماو في كينيا في الخمسينات من القرن الماضي، فبسبب عمليات التعذيب و غيرها من حالات نقض حقوق الإنسان التي يقال أنها ارتكبت تحت قيادتنه تسلم رئاسة الإدارة العامة للتحقيقات الأمنية في البحرين من عام 1966 إلى عام 1998 و عرف بلقب "قصاب البحرين".
 
يتعرض شيعة البحرين للتمييز ضدهم و للأذى بشكل مؤسساتي و تقل نسبة مشاركتهم في المؤسسات الحكومية عن نسبتهم من عدد السكان بشكل كبير حيث يتم إبعادهم عن المناصب الحكومية و العسكرية العليا، و هم معارضون سياسيون نشطون يبحثون عن المساواة. عندما بدأت مظاهرات الصحوة الإسلامية في عام 2011 قام النشطاء الشيعة باحتلال دوار اللؤلؤة و الشوارع الرئيسية في العاصمة المنامة و كانوا الهدف الأول للقوات الأمنية، حيث تدخلت القوات الأمنية البحرينية أولاً و من ثم دخلت السعودية على الخط. تشير بعض التقديرات إلى أن المئات قد قتلوا خلال هذه الاحتجاجات و جرح الآلاف وتم أيضاً اعتقال الآلاف. إن وجود تهديد من هذا النوع و الحاجة لسياسات للسيطرة عليه و قمعه أحيا الفكرة لدى الحكومة البحرينية بأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل كما فعلت دول عربية أخرى يصب في مصلحة أمنها الوطني و مصالحها الاستراتيجية الكبرى، و هذا الأمر هو خطوة على طريق تحقيق أهداف بعيدة المدى.
موقع السعودية في تطبيع العلاقات بين البحرين و الكيان الصهيوني
بالنظر إلى علاقاتها القوية و ارتباطها بجارتها الكبرى السعودية فإن قرار البحرين بالتطبيع يبعث على الحيرة، حيث يعتقد المحللون بأن ملك البحرين حمد بن عيسى آل‌خليفة لا يقدم على أمر من دون موافقة السعوديين. في الحقيقة يمكن لهذه الخطوة الكبيرة أن‌تؤدي إلى تمهيد الطريق لتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية حيث قامت السعودية في السابق باتخاذ خطوات رمزية في هذا المجال كالسماح للرحلات الجوية التجارية الإسرائيلية باستخدام أجواءها.
لقد وضع ترامب السعودية في قلب سياسته في الشرق الأوسط و كانت أول زيارة خارجية له إلى العاصمة السعودية الرياض. كان ترامب يشعر بالفخر من المفاوضات مع السعودية لبيعها أسلحة بمليارات الدولارات و قد دافع عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابل الشواهد التي تشير إلى إصداره الأمر بقتل المعارض السعودي جمال خاشقجي بوحشية. من ناحية أخرى فإن السعودية تماشت مع قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، فعلى الرغم من دعمهم للفلسطينيين فإن السعوديين كغيرهم من سائر الدول العربية يلتزمون اليوم بالقضية الفلسطينية بشكل أقل بكثير من السابق.
في الحقيقة لقد أصبح الضغط و التضييق على مصالح جبهة المقاومة أولوية فورية و مقدمة لبعض الأنظمة العربية الرجعية. إن حصول هذا الأمر و هو اعتراف السعودية رسمياً بإسرائيل سيكون جائزة قيمة للأخيرة بالنظر إلى وزن السعودية في العالم العربي، و سيكون من القيمة بمستوى اتفاقيتي كامب ديفيد و أوسلو للسلام.
يقول بعض المراقبين بأن الإسرائيليين يسعون لأهداف أخرى من وراء تطبيع علاقاتهم مع البحرين و هم بصدد التوصل لاتفاق مع السعودية أكبر دول الخليج الفارسي و إحدى أكثر الدول تأثيرا على مستوى العالمين العربي و الإسلامي، و الاتفاق مع البحرين يُفسر كمجرد خطوة على هذا الصعيد. 
التدعيات الأمنية لانكشفاف العلاقات الإماراتية الصهيونية 
بصفة عامة يمكننا أن نعدّد خمسة تداعيات أمنية لذلك :
1. كون الكيان الصهيوني علي مقربة من الحدود الأمنية للجمهورية الإسلامية في إيران: يمثل الخليج الفارسي نطاقاً أمنياً مهماً للجمهورية الإسلامية حيث يمنحها قوة ردع في مواجهة أعداءها الإقليميين ،ولا شك أن إضفاء الطابع الرسمي علي علاقات كل من الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني سيزيد من تغلغل الأخير في حدود إيران الجنوبية ونطاق الخليج الفارسي علي حد سواء .
فضلاً عن ذلك فإن زيارة رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين إلي الإمارات العربية المتحدة وكذلك تأكيد نتنياهو علي ضرورة التعاون الأمني والاستخباراتي مع هذه الدولة وغيرها من الدول العربية ،أدي إلي توسع نطاق النفوذ الاستخباراتي لدي الكيان ومن ثم زيادة التوزان الاستراتيجي لصالحه .
2.إظهار العلاقات الرسمية مع الكيان الصهيوني كظاهرة طبيعية: كان يتمتع بنيامين نتنياهو ،وخلافاً لمن سبقوه من رؤساء الوزاء ،بخبرة دبلوماسية عالية حيث كان يعمل عملاً دؤوباً علي توسيع علاقاته الرسمية مع كل من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوبي آسيا .ومن الأهداف الرئيسية التي سعي نتنياهو لتحقيقها في سبيل تعزيز شرعية تواجد الكيان في المنطقة هو إلإيحاء بأن إنشاء علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني خطوة طبيعية جداً .ذلك لأن تطبيع العلاقات مع الكيان كان سيساعد في تعزيز موقعه (نتنياهو) الداخلي من جهة وفي رفع مكانة الكيان الإقليمية من جهة أخري .
في عام 2018 اعتبر 92% من الشعوب العربية بما فيها الشعبين السعودي والإماراتي أن الكيان الصهيوني يشكل تهديداً لأمن المنطقة ولم يبلغ عدد المعارضين لهذه الفكرة حينها سوي 3% .هذا في حين أن الاستفتاء الذي تم إجراءه عام 2016 يشير إلي نسبة أقل مما هي في عام 2018 بنسبة 3% أي أنّ 89% من الشعوب العربية كانت تعتقد حينها أن الكيان الصهيوني يشكل تهديدا ًلأمن المنطقة بينما أبدي 87% من المشاركين في الاستفتاء معارضتهم لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني .
3.تبلور سلسلة من العلاقات الرسمية مع الكيان الصيوني: مع إضفاء الطابع الرسمي علي علاقات كل من مصر والإمارات مع الكيان الصهيوني والتحاق الإمارات والبحرين بقطار التطبيع بعد عدة سنوات ،أصبح العالم يشهد لعبة دومينو العلاقات الرسمية مع الكيان الصهيوني .
يذكر أن الوثيقة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي والتي تم إعدادها عام 2015 نصّت (إلي جانب التأكيد علي أهمية تعزيز القدرات العسكرية) علي ضرورة استثمار الأدوات الإقليمية الناعمة من خلال إنشاء علاقات سياسية مع دول غرب آسيا بهدف تعزيز قوة الردع لدي الجيش .ولا شك أن لعبة الدومنيو هذه ستعزز قوة الردع لدي الكيان الصهيوني.
4. تعزيز قدرات الإمارات والبحرين التسليحية: نظراً إلي أن الكيان الصهيوني يصنف ضمن أكبر المصدرين للأسلحة فمن المرجح أن دولتي الإمارات والبحرين ستشتريان ما تحتاجان إليه من أسلحة من هذا الكيان .كما يرجَّح إقامة المزيد من المناورات البحرية المشتركة وشراء معدات عسكرية بحرية مثل طائرات Ninox 103 المسيرة المتطورة للغاية إضافة إلي شراء منظومة القبة الحديدية للدفاع الجوي .هذا وفي المقابل أعلن الجيش الإسرائيلي عن اعتزامه لاستخدام الآليات العسكرية المصفحة من إنتاج الإمارات في الضفة الغربية .
وعلي الرغم من أن الكيان الصهيوني لن يسمح بتكافؤ القدرات العسكرية لدي كل من البحرين والإمارات معه إلا أنه سيساعد الإمارات عسكرياً في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران وكذلك في بسط سيطرتها علي اليمن وستكون مساعدتها إما بصورة مباشرة أو من خلال لوبيات أيباك في الولايات المتحدة الأمريكية .
5.التأثير في نظام المنطقة الجيوسياسي: إن المصالح الجيوسياسية المشتركة بين الكيان الصهيوني والإمارات العربية المتحدة والبحرين قد دفعت بهذه الدول إلي معارضة محور المقاومة والإخوان المسلمين في المنطقة .
وفي السياق نفسه اعتبر وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن مشاركة الإمارات في القطيعة مع دولة قطر تمثّل فرصة مميزة لتنسيق الجهود الإسرائيلية الإماراتية مؤكداً أن محاصرة قطر ستمكّن إسرائيل من أن تمد يد التعاون إلي الإمارات العربية المتحدة في حربها ضد الإرهاب .
في الوقت الحاضر تحتضن السجون الإماراتية ما يقارب 23 قائداً ينتمون إلي الإخوان المسلمين .ومع إضفاء الطابع الرسمي علي العلاقات الإسرائيلية الإماراتية البحرينية فإن التيارات المؤثرة في النظام الإقليمي ستتمتع بالمزيد من التعاضد الداخلي وبالتالي ستبدو الاصطفافات أجلي مما هي عليه الآن .أما الخطوة التالية فتتمثل في تقارب دولة قطر مع تركيا وفي نفس الوقت توسيع الفجوة بين تركيا والإمارات من جهة وبين إيران والإمارات والسعودية من جهة أخري .
الاستنتاج
نحن نعتقد بأنّ أحد أسباب تطبيع البحرين والإمارات مع الكيان الصهيوني وبشكل معلن (بعد أن كان تحت الطاولة) هو صنع ورقة انتخابية رابحة لترامب حيث سعت الدولتان ومن خلال سياسة التطبيع إلي مساعدة ترامب في اكتساب امتيازات دولية ،فضلاً عن محاولتهما لاستثمار القدرة السياسية الأمريكية في سبيل حماية نفسيهما أمام المؤسسات والأنظمة الدولية .علاوة علي ذلك كله فإنّ الدولتين المشار إليهما عملتا ومن خلال اتّباع الاستراتيجيات الأمريكية ،علي تحسين موقعهما في النظام الدولي .
أما الهدف التالي الذي دفع بالدولتين إلي التطبيع مع الكيان الصهيوني فيتمثل في الجانب الأمني حيث إنهما وبسبب الضعف العسكري والأمني الموجود لديهما تحتاجان إلي من يحميهما أمام جيرانهما وكذلك أمام التحديات التي تم تضخيمها من قبل الولايات المتحدة .من هنا فإن الحماية التي سيوفرها لهما الكيان الصهيوني ،ستمكّنهما من أن تلعبا دوراً أبرز في الأزمات الإقليمية .
ويتمثل الهدف الأخير من التطبيع في الجانب الاقتصادي حيث إن دولتي البحرين والإمارات تبحثان عمن يحتاج إلي مصادر الطاقة علي الدوام حتي توقّعا معه صفقة نفطية طويلة الأجل .
من ناحية أخري فإن أحد التحديات الكبيرة التي تواجه كلا من البحرين والإمارات هو تغيّر مواقف بعض القوي الإقليمية مثل إيران وتركيا تجاههما ،فما يجب أن تعرفه السلطات البحرينية والإمارتية هو أن وقوعهما في أحابيل ترامب الإنتخابية قد جعلهما أكثر عزلة وانزواء ،لأن أي مغامرة يقوم بها الكيان الصهيوني في الخليج الفارسي سيردّ عليها محور المقاومة والقوي الإقليمية بقوة مما سيلحق أضرارا فادحة بأكثر قطاعات البحرين والإمارات حيوية وهو القطاع الاقتصادي .
يذكر أن صناع القرار في دولة الإمارات قد عرفوا في الآونة الأخيرة أنّ تدخّلهم في الأزمات والمغامرات التي جرت في كل من اليمن وليبيا واصطفافهم ضد إيران وتركيا وقطر ،لم يعد عليهم بأي فائدة لا بل ألحق أضرارا بقطاعات بلادهم الاقتصادية والسياسية والأمنية .
إضافة إلي المشكلات التي تعانيها الإمارات نتيجة لتدخلها غير المبرر في الأزمات الإقليمية فإنها تعيش ،ومنذ عدة سنوات ،حالة من التوتر الحاد في علاقاتها مع إيران وتركيا وقطر وفصائل المقاومة الإسلامية والتنظيمات الإخوانية في العالم الإسلامي ،ولاشك أن استمرار هذا التوتر والدفع بالشعب الفلسطيني إلي الخندق المعادي للإمارات –خاصة في الظروف الراهنة- سيعود بأضرار علي هذه الدولة .من هنا فإنه كلما أضفت السياسات البحرينية الإماراتية طابعا أمنيا أكثر علي الخليج الفارسي كانت الأضرار التي تلحق بهما أكبر .
الحاشية
1. https://nournews.ir/Fa/News/52256.
2. https://mirnews.ir/KhabarWorlds/Details/49330.
3. Edarabia (2019), Population of the UAE, available at: https://www.edarabia.com/population-uae.
4. https://www.tasnimnews.com/fa/news/1399/04/16/2300814.
5. http://tabyincenter.ir/goto/4341.
6. https://www.tasnimnews.com/fa/news/1395/09/02/1245659/اشغالگري-گازي-رژيم-صهيونيستي-مقدمه-جنگ-فرامنطقه‌اي
7. O'Neil, Tyler (10 May 2018). "Bahrain Sides with Israel Against Iran". PJ Media.
8. "Bahrain denies Israel relations reports". gulfnews.com.
9. https://www.timesofisrael.com/at-economic-peace-summit-being-an-israeli-in-bahrain-feels-almost-normal.
10. https://www.nytimes.com/2020/09/11/world/middleeast/bahrain-israel-trump.html.


قراءة: 159